تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكليني والكافي- الشيخ عبد الرسول الغفاري

الكليني والكافي
الشيخ عبد الرسول الغفاري
---
[1]
الكليني والكافي تأليف الدكتو الشيخ عبد الله الرسول عبد الحسين الغفار مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
---
[2]
الكليني والكافي تأليف: الدكتور الشيخ عبد الرسول عبد الحسن الغفار الموضوع: تاريخ وسيرة طبع ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي عدد الاجزاء: جزء واحد الطبعة: الاولى المطبوع: 1000 نسخة التاريخ: 1416 ه‍. ق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
---
[3]

(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى وأهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم ومخالفيهم إلى قيام يوم الدين. وبعد، فإن من أهم مصادر التشريع في نظر المظهر الامامي بعد القرآن الكريم السنة الشريفة، وهي قول المعصوم وفعله وتقريره ولا طريق لنا إلى الوصول إليها إلا ما نقله الرواة والمحدثون وأصحاب السير والمؤرخون ولما كان الراوي والناقل للخبر غير معصوم من الخطأ، بل معرض للاشتباه والنسيان، وغير مأمون من الزيادة والنقصان، مضافا إلى تخلل الكذبة والوضاعين من أصحاب المطامع والاهواء الذين باعوا دينهم بأبخس الاثمان، تضاعفت مسؤولية العلماء الامناء على الدين والدنيا في تدقيق الاخبار والاحاديث، والتأكد من صحة صدورها من مصدر التشريع، فبذلوا كل ما في وسعهم في إنتقاء الاخبار الصحيحة وطرح الاخبار المشكوك في صحتها، أو المقطوع في كذبها، وتخليص كتب الشيعة منها. ويعد المحدث الكبير والماهر الخبير، ثقة الاسلام الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني قدس سره من السابقين في هذا المضمار، ومن له القدح المعلى من بين المحدثين ونقلة الاخبار، فقد حاول رضوان الله تعالى عليه جمع كل ما نقل عن أهل البيت عليهم السلام بعد أن كان متناثرا في كتب متفرقة، ورسائل متناثرة، خصوصا الاصول الاربعمائة التي تعد من أوثق المصادر لدى الشيعة باعتبار تصحيحها من
---
[4]

(1/2)

قبل نفس الائمة عليهم السلام ووضعها في كتاب مستقل سماه " الكافي " وبذلك حفظ تراثا عزيزا أوشك - لولا جهوده - على الاندراس والضياع، ودخول ما هو غريب عنه فيه. ولعظمة هذه الشخصية ودورها في صيانة المذهب الامامي، وتشييد أركانه، لم تسلم من الغمز فيها، وإثارة الغبار حولها من قبل الاعداء والخصوم لغرض النيل منها، وبالتالي تضعيف المذهب والطعن فيه. والكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القارئ - عبارة عن دراسة علمية موضوعية حاول فيها صاحبها الفاضل سماحة الشيخ عبد الرسول عبد الحسن الغفار أيده الله وسدد خطاه نصرة هذه الشخصية الكريمة، والذب عنها، وعن موسوعتها الحديثية الفذة ورد كيد الاعداء الى نحورهم، وذلك باسلوب فني دقيق، وبحث موضوعي حري بالمطالعة والتحقيق. وقد تصدت مؤسستنا - بعد تلقي عمله بالرضا والقبول - لطبع هذا الكتاب ونشره شاكرين له وللاخوة العاملين عليه وعلى إخراجه بهذه الصورة جهودهم ومساعيهم، داعين المولى عز شأنه أن يجعله ذخرا لهم، ويرزقهم وإيانا المزيد من التوفيق في خدمة علوم أهل البيت عليهم السلام ورجالاتها، إنه خير موفق ومعين. مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
---
[5]

(1/3)

المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الاحد، الفرد الصمد، بارئ الخلائق بقدرته، وباعث الانبياء برحمته، بعثهم يهدون عباده بهديه، حتى ختم الرسالة بسيد الكائنات، المنعوت بأجلى الايات والصفات، نبي الرحمة، الرسول المؤيد، والنبي المسدد، أبي القاسم محمد، عليه وعلى آله أفضل الصلاة، وأجمل التحيات. لقد جعل سبحانه وتعالى للناس من الدين شرعة ومنهاجا، وأوكل لنبيه صلى الله عليه وآله أن يسن للخلق ما يصلح شأنهم، وقد امتثل أمر ربه، حتى أقام لهم الدليل، وهداهم إلى سواء السبيل، ثم خلف فيهم تراثا، كالنبع لا ينضب ماؤه، ولا يكدر صفاؤه، إنه ماء رائق فيه لذة للشاربين، فكانت أقواله وأفعاله وتقريراته، المعين الثاني بعد القرآن، فلا يظمأ من نهل منه، ولا يندم من تبع أثره وأثر أهل بيته الطاهرين. وبعد، لما اخترت موضوع البحث: " الكليني والكافي " حاولت أن أدرس شخصية الكليني بعيدا عن الاهواء والميول والعواطف، بل شأني أن اقدم للقارئ
---
[6]

(1/4)

صورة حية واقعية، تنأى عنها الكلمات الخيالية، وينعدم فيها الاسلوب القصصي الذي درج عليه كتاب الادب والفن. لقد تحسست أهمية الموضوع وبعد خطره لما قرأت نتاج بعض الكتاب، فوجدته يتقمص شخصية العالم المصلح، والمعلم المرشد، والنيقد الفاهم،...،...، كل ذلك للنفوذ إلى التراث الشيعي الامامي، وهدمه من الداخل، على أن هناك محاولات مقصودة تقف من ورائها الوهابية والاستعمار الصليبي، إلا أنها محاولات فاشلة، وخطوات غير موفقة وخائبة، وقد صدق تعالى حيث قال في كتابه العزيز: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (1). لقد جعلت الاطروحة في سبعة فصول: تناولت في الفصل الاول منها - لكونه المدخل إلى البحث -: فضيلة الحديث و روايته، وفضل تدوينه، ودور الشيعة في تدوين الحديث، ثم ذكرنا أهم المراكز العلمية للشيعة في العصور القديمة للدول الاسلامية كالمدينة المنورة، والكوفة، وقم، وبغداد، ثم تحدثنا عن المراكز العلمية للشيعة في العصر الحاضر، منها: النجف الاشرف، وكربلاء، وقم المقدسة، وبلاد الري، وخراسان، ولكنهو. وفي الفصل الثاني: ركزت في الحديث عن نشأة الكليني الاولى، من خلال تحديد بعض معالم الري، وقد ضبطنا (كلين) لغة وجغرافيا، ثم شمل الحديث: الري و فرقها، ومذاهبها، ومحالها، ثم خرابها. وبعد ذلك ننتقل إلى خصوصيات الشيخ العلمية، منها: آثاره ومصنفاته، ومشايخه والذين روى عنهم، وتلاميذه والذين رووا عنه، وقد ذكرنا ترجمة مختصرة عنهم، كي يطلع الباحث أو القارئ على سيرة
---
(1)
التوبة: 32.
---
[7]

(1/5)

هؤلاء الاعلام، فيستعين بها للوصول إلى بعض الحقائق الكامنة في أسانيد " الشيخ " - قدس سره - وبما أن مشايخ الكليني أغلبهم ينضوون تحت عنوان " العدة "، لذا لم نترجم لهم في هذا المكان، بل أفردنا ترجمتهم في الفصل السابع. وفي خاتمة الفصل الثاني حققنا سنة وفاة " الشيخ " وقبره. ثم ننتقل إلى الحياة الخارجية المحيطة بالشيخ، وعصره الملئ بالأحداث السياسية والاضطرابات، لذا خصصنا الفصل الثالث للحالة السائدة في عصره، إذ تناولنا أهم الاحداث والاضطرابات التي شاهدها الكليني، وجعلناها مبوبة حسب الترتيب الزمني، ابتداء من الحاكم العباسي " المعتمد بالله " الذي حكم بين 256 - 279 ه‍، وانتهاء " بالراضي بالله " العباسي 322 - 329 ه‍. ولا شك أن تلك الاضطرابات والفتن خلقت جوا سياسيا انعكست بعض تلك الاثار على مسلك " الشيخ " في اسلوبه وتصانيفه. أما الفصل الرابع: فقد كان الحديث فيه عن الحالة العلمية في عصر " الشيخ "، حيث تناولنا فيه علم الكلام وتطوره، واهتمام المذاهب والفرق الاسلامية به، لأنه نشأ في عصر اتسم بالصراعات الفكرية، وتعدد المذاهب والاهواء والعقائد. ثم تناولنا مدرسة الاعتزال ونشوءها، ومشايخها في البصرة وفي بغداد، وطبقاتها، و معتقداتها، ثم بينا أثر الاعتزال على سياسة الدولة العباسية، ومسألة خلق القرآن. بعد ذلك تحدثنا عن مدرسة الاشاعرة، وبعض عقائدها، وأخيرا المقارنة بين الإمامية والمعتزلة والاشاعرة، من حيث اتفاقهم أو اختلافهم في العقائد. وأما الفصل الخامس: فجعلناه مقتصرا في الحديث عن أثر الشيخ الكليني في إعلان مدرسة أهل البيت عليهم السلام المتمثلة في التوحيد، والامامة، كما تعرضنا للحديث
---
[8]

(1/6)

عن الاهتمام بالجانب العقلي. وأما الفصل السادس: فكان الحديث فيه عن كتاب " الكافي " ودواعي تأليفه، ودعوى عرضه على الامام عليه السلام، ثم بينا عدة أحاديثه، ومراتبها، ومدى اعتبارها، ثم ذكرنا التبويب الاجمالي، وآراء العلماء فيه، ثم بينا جملة من خصائصه، وشروحه، وتعليقاته، وحواشيه، وترجمته، واختصاره، وتحقيقه، ثم بعض نسخه الخطية، وطبعاته. وأما الفصل السابع: فالحديث فيه كان عن " العدة " إذ أكثر الشيخ - قدس سره - الرواية " عن عدة من أصحابنا "، ونحن جعلنا البحث هنا في أقسام ثلاث: القسم الاول: في العدد المعروفة، كالعدة عن أحمد بن محمد بن عيسى، أو عن سهل بن زياد الادمي، أو عن أحمد بن محمد بن خالد البرقى. والقسم الثاني: في العدة الواردة في وسط السند، والتي لم يدركها " الشيخ " قطعا. والقسم الثالث: العدد المجهولة، سواء كانت في أول السند أو في وسطها، وسواء أدركها الشيخ أم لم يدركها، فهي مجهولة، غير مشخصة عندنا وإن كانت هناك بعض القرائن لتشخيص جملة منها، لكن ليس من الصواب القطع أو الجزم بها. وقد نهجنا في هذا الفصل أن نترجم لاعلام العدد إذا كانت معروفة، ثم ترجمنا لمشايخ العدد، حتى يقف الباحث على شطر كبير من رجال أسانيد " الكافي "، وآراء العلماء فيهم، من حيث الجرح والتعديل. وختمنا البحث بخلاصة عن موقف بعض العلماء القميين من بعض الاعلام. وبذلك تنتهي الاطروحة. وبعد ذلك عملنا فهرسا بأهم المصادر والمراجع - المخطوطة والمطبوعة - التي
---
[9]

(1/7)

اعتمدنا في بحثنا هذا عليها، أو أحلنا المطالع إليها، أو ناقشنا بعض عباراتها أو آراء أصحابها، متبعين في وصف الكتاب الطريقة المعروفة. وبعد هذا ذكرنا فهرسا بأهم مطالب الاطروحة، والعناوين البارزة فيها. ونحن في صدد التعريف بالاطروحة ومنهجية البحث، لا ننسى موقف استاذنا الجليل البروفسور السيد منظور محسن رضوي، الاستاذ في كلية الدينيات، الذي أشرف على هذه الاطروحة من قبل جامعة علي گره الاسلامية، وقد أبدى ملاحظاته القيمة، مع تقديره الكبير للجهد الذي بذلناه طيلة هذه السنين لإنجاز هذه الاطروحة، وأنا بدوري اثمن واقدر مواقف استاذنا الرضوي ومشاعره الابوية، واكبر فيه الروح الخلاقة الطيبة، والتسهيلات التي منحها لي، كما أشكر مواقف العميد البروفسور الاستاذ عبد العليم خان، وما قدمه من دعم لتيسير الامور الإدارية والفنية المرتبطة بالأقسام الاخرى من الجامعة، كما اقدم شكري وتقديري لكافة الإخوة العاملين في عمادة كلية الدينيات، وبالخصوص سكرتير العميد. ونسأله سبحانه التوفيق للجميع.
---
[11]
الفصل الاول الحديث وتدوينه فضيلة الحديث وروايته فضل تدوين الحديث وكتابته الشيعة وتدوين الحديث أهم المراكز العلمية للشيعة قديما: المدينة المنورة الكوفة قم المقدسة بغداد حديثا: النجف الاشرف وكربلاء قم المقدسة وبلاد الري خراسان لكنهو
---
[13]

(1/8)

فضيلة الحديث وروايته لما كانت الاحكام والسنن تؤخذ في زمن النص وعصر التشريع من الكتاب والسنة، وأن سيرة أهل البيت جزء من السنة، فكانوا بعد نبيهم هم الامناء، والحفاظ على الشريعة، وهم الطريق الصحيح لإيصال تلك الاحكام إلى المسلمين، للسير بهداها، والعمل بها. ولما كانت النصوص القرآنية فيها المجمل، والمطلق، والعام، والمجاز، وغير ذلك من الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، جاءت النصوص الشريفة لأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله، وأخبار أهل البيت سلام الله عليهم لتكشف ما غمض على المسلمين من نصوص القرآن، فبينوا عليهم السلام مجمل القرآن، والمطلق منه والمقيد، والعام والخاص... الخ، لهذه المناسبات حثوا عليهم السلام أصحابهم على حفظ الحديث وروايته وتناقله فيما بينهم، حتى وردت في فضيلة حفظ الحديث وروايته أخبار جمة معتبرة. منها: ما رواه الكشي في رجاله، بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
---
[14]

(1/9)

" اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون رواياتهم عنا، فإنا لا نعد الفقيه فقيها حتى يكون محدثا، فقيل له: أو يكون المؤمن محدثا ؟ قال: يكون مفهما، والمفهم محدث " (1). وعن حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل الرازي، قال: حدثني علي بن حبيب المدايني، عن علي بن سويد النسائي، قال كتب إلي أبو الحسن الاول (2) وهو في السجن: " وأما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك: لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، اؤتمنوا على كتاب الله جل وعلا فحرفوه وبدلوه، فعليهم لعنة الله ورسوله، ولعنة ملائكته، ولعنة آبائي الكرام البررة، ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة " (3). وفي أمالي الصدوق: عن ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن محمد بن حسان الرازي، عن محمد بن علي، عن عيسى بن عبد الله العلوي العمري، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم ارحم خلفائي - ثلاثا - قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك ؟ قال: الذين يتبعون حديثي وسنتي ثم يعلمونها امتي " (4). وفي بصائر الدرجات للصفار، قال حدثنا أحمد بن محمد، عن محمد بن اسماعيل، عن سعدان بن مسلم، عن معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل رواية لحديثكم، يبث ذلك الى الناس ويسدده في قلوب شيعتكم، ولعل عابدا
---
(1)
رجال الكشي - شرح الداماد: 1 / 6. (2) هو الامام موسى الكاظم عليه السلام. (3) رجال الكشي: 1 / 8. (4) انظر البحار: 2 / 144، ومنية المريد: ص 101.
---
[15]

(1/10)

من شيعتكم ليست له هذه الرواية، أيهما أفضل ؟ قال: " الراوية لحديثنا يبث في الناس ويسدده في قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد " (1). وفي الخصال: عن ابن الوليد، عن الصفار عن علي بن إسماعيل، عن عبد الله الدهقان، عن إبراهيم بن موسى المروزي، عن أبي الحسن عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من حفظ من امتي أربعين حديثا مما يحتاجون إليه من أمر دينهم، بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما " (2). وفي هذا الباب أحاديث كثيرة جدا بلغت حد التواتر عند الخاصة والعامة: " فإن من حفظ أربعين حديثا أو أقل أو أكثر من ذلك يعد فقيها عالما "، والمقصود من هذا: أولا: تلك الاحاديث جامعة لامهات العقائد، والمعارف الاسلامية، والعبادات القلبية، والمحامد الحسنة، والخصال الكريمة، والفضائل، والاخلاق... ثانيا: المقصود بكونه يعد فقيها إنما مع التدبر، والمعرفة الكاملة، والإحاطة الدقيقة بمضمون الحديث. ثالثا: العالم لا يكون عالما إلا بأن يخالف هواه، مطيعا لأمر مولاه، واقفا على خبائث النفس وآفاتها، تاركا للدنيا ولهوها وزينتها زاهدا فيها، طامعا فيما عند الله من الثواب الجزيل والثناء الجميل... وإلا ما أكثر الذين يعرفون ذلك ولكنهم للتطبيق هم أبعد ما بين السماء والارض (3).
---
(1)
بصائر الدرجات: 1 / 27، والكافي: 1 / 33. (2) انظر الكافي: 1 / 49، والاختصاص للمفيد: ص 2. انظر ما قاله الائمة سلام الله عليهم في صفة العالم: 1 - روى الكليني عن محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن
---
[16]
فكم من مطلع وعارف لأخبار وأحاديث أهل البيت عليهم السلام، ومستنبط
---

(1/11)

محبوب، عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " اطلبوا العلم، وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم ". الكافي 1 / 36. 2 - الكليني: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، بن حماد بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: " انما يخشى الله من عباده العلماء... الآية " فاطر / 28، قال: " يعني بالعلماء من صدق فعله قوله، ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم ". الكافي: 1 / 36. 3 - الكليني: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل ابن شاذان النيسابوري جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: " إن من علامات الفقه - أو الفقيه -: الحلم والصمت ". الكافي: 1 / 36. 4 - الكليني عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القماط، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: ألا اخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر.. " الكافي: 1 / 36. هذه جملة في صفات العالم الذي يهدي الناس ويرشدهم إلى الحق، فعليك أن تتدبر. على أن هناك أخبارا كثيرة في حق العالم وفضله ومنزلته، فإذا عرفت حد العالم وشخصته، فذلك لأن منزلته عند الله كمنزلة أنبياء بني إسرائيل وأكثر. 5 - الكليني: عن محمد بن علي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن حماد بن عيسى، عن عمر ابن اذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يحدث عن

(1/12)

النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في كلام له: " العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه، فهذا هالك، وأن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله فاستجاب له، وقبل منه فأطاع الله، فأدخله الله الجنة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه، واتباعه الهوى وطول الامل، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وطول الامل ينسي الآخرة ". الكافي: 1 / 44. 6 - عنه: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن محمد القاساني، عمن ذكره، عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا ". الكافي: 1 / 44.
---
[17]

(1/13)

للأحكام الشرعية منها، ومتصد للاجتهاد والتقليد والدرس والتدريس، لكنك لو فتشت لوجدته إلى الدنيا ميالا، وإلى بناء الذات قد شمر ساعديه، يقضم مال الله قضما، وينكر أهل العلم والفضل تطاولا وتعنتا، فتلك منازلهم في الدنيا، وما شموخهم واعتزازهم إلا بزينتها الفانية، وفي الآخرة هم أخزى (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) (1). رابعا: أما الحفظ، فقد صوره الفقهاء عدة صور: فمنهم من قال: يراد به الحفظ عن ظاهر قلب، وآخرون قالوا: حفظه بالكتابة خوفا من الاندراس والضياع، طالما أن القلوب الواعية للأحاديث إذا أدركها الموت تضيع ولم تدركها الاجيال اللاحقة، أما الذي يحتفظ بالقرطاس ويدون فهو أسلم من غيره من الضياع، وقسم ثالث قال: يراد بالحفظ أن يعي الحديث ويتدبره... وهكذا، فمنهم من يحفظه لفظا دون المعنى، وبعضهم يحفظه معنى، دون اللفظ، وثالث يحفظه بالنص لفظا ومعنى، و إلى غير ذلك من الوجوه التي قيلت. في الاختصاص: عن جعفر بن الحسين المؤمن، عن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام في قول الله عزوجل: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) قال: " هم المسلمون لآل محمد صلوات الله عليهم، إذا سمعوا الحديث أدوه كما سمعوه، لا يزيدون ولا ينقصون " (2). وفي الكنز للكراجكي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " نصر الله إمرءا سمع منا حديثا
---
(1)
الكهف: 46. (2) الكافي: 1 / 51، والاختصاص للمفيد: ص 5، والآية 17 و 18 من سورة الزمر.
---
[18]

(1/14)

فأداه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع " (1). وفي عوالي اللآلي: روي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: " رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه " (2). وفي رواية اخرى: " فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ". وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتب الى الحارث الهمداني: " ولا تحدث الناس بكل ما سمعت فكفى بذلك كذبا، ولا ترد على الناس كلما حدثوك به فكفى بذلك جهلا... " (3). الكليني باسناده: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال أمير المؤمنين: إذا حدثتم بحديث فاسندوه إلى الذي حدثكم، فإن كان حقا فلكم، وإن كان كذبا فعليه " (4).
---
(1)
الكنز للكراجكي. أنظر البحار: 1 / 160. (2) عوالي اللآلي: 4 / 66، والبحار: 2 / 161. (3) نهج البلاغة: رسالة 69، والبحار: 2 / 160. (4) الكافي: 1 / 52.
---
[19]
فضل تدوين الحديث وكتابته لعظم خطر الكتابة وحاجة الناس إليها، ولكونها أحد الاساليب المهمة لحفظ تراث أي امة من الامم ولكونها خير وسيلة لصيانة أي حضارة من الحضارات على مر التاريخ، فقد اهتم الاسلام بالكتابة والتدوين، ولهذه الاهمية الكبيرة جاء الذكر الحكيم ليقسم بها، فقال وعز من قال: (ن * والقلم وما يسطرون " (1)، وقوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الاكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم.. " (2). أما أحاديث أهل البيت عليهم السلام وأخبارهم في هذا المقام فهي مستفيضة، نذكر منها: عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: " دخل علي اناس من أهل البصرة فسألوني عن أحاديث وكتبوها، فما يمنعكم من الكتاب ؟ أما أنكم لن
---
(1)
القلم: 1 و 2. (2) العلق: 1 - 5.
---
[20]

(1/15)

تحفظوا حتى تكتبوا "، وفي رواية اخرى قال عليه السلام: " اكتبوا، فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا " (1). وعنه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " القلب يتكل على الكتابة " (2). عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه دعا بنيه وبني أخيه فقال: " إنكم صغار قوم، و يوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين، فتعلموا العلم، فمن يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته " (3). وعن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " احتفظوا بكتبكم، فإنكم سوف تحتاجون إليها " (4). وروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: " قيدوا العلم. قيل: وما تقييده، قال: كتابته " (5). وروي أن رجلا من الانصار كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه واله فيسمع منه صلى الله عليه واله الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه واله، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: " استعن بيمينك " وأومأ بيده، أي خط (6). قال النجاشي في ترجمة يونس بن عبد الرحمان: وقال شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان في كتاب مصابيح النور: أخبرني الشيخ الصدوق أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه - رحمه الله - قال:
---
(1)
الكافي: 1 / 52، ومنية المريد: ص 340. (2) الكافي: 1 / 52. (3) منية المريد: ص 340. (4) الكافي: 1 / 52. (5) منية المريد: ص 340. (6) منية المريد: ص 340.
---
[21]

(1/16)

حدثنا علي بن الحسين بن بابويه، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: قال لنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري - رحمه الله -: عرضت على أبي محمد صاحب العسكر - الامام العسكري عليه السلام - كتاب يوم وليلة ليونس، فقال لي: " تصنيف من هذا ؟ فقلت: تصنيف يونس مولى آل يقطين، فقال: " أعطاه الله بكل حرف نورا يوم القيامة " (1). والكليني، عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن بعض أصحابه، عن أبي سعيد الخيبري، عن المفضل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: " اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم " (2). وروى المجلسي عن البصائر: عن عبد الله بن محمد، عمن رواه، عن محمد بن خالد، عن حمزة بن عبد الله الجعفري، عن أبي الحسن قال: كتبت في ظهر القرطاس: إن الدنيا ممثلة للامام كفلقة الجوزة، فدفعته إلى أبي الحسن عليه السلام وقلت جعلت فداك، إن أصحابنا رووا حديثا ما أنكرته، غير أني أحببت أن أسمعه منك، قال: فنظر فيه ثم طواه حتى ظننت أنه قد شق عليه، ثم قال: " هو حق، فحوله في أديم " (3). في الجملة، يتعين أن كتابة العلم، وتقييد الحديث بالكتابة والحفظ من الامور المحبذة عند الشارع، بل حث عليها، وأوصى بها، وشوق الرواة والحفاظ بالاستعانة في الحفظ على الكتابة، وكما مر عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " اكتبوا،
---
(1)
رجال النجاشي: ص 447. (2) الكافي: 1 / 52. (3) البحار: 2 / 145.
---
[22]

(1/17)

فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا "، وعنه أيضا قال: " القلب يتكل على الكتابة "،... الخ. وقد اهتم الاصحاب الاوائل زمن الائمة عليهم السلام في كتابة مجالس الائمة الاطهار، وتدوين كل ما يسمعونه عنهم عليهم السلام، وقد نتج من خلال ذلك الاهتمام بقول المعصومين أن دون أصحاب الائمة آلاف الكتب في مختلف العلوم والمعارف الاسلامية، وقد فقد الكثير منها لتطاول الزمان، وللتقية، وللخوف والاضطهاد الذي كان يلاحق أصحاب أهل البيت، حتى أخذ حكام الجور والمتسلطين على رقاب المسلمين من حكام بني امية وبني العباس أن يتتبعوا الشيعة في كل مكان، و قد احرقت لهم الكتب الكثيرة، وضاع القسم الآخر، وما وصل إلينا منهم الا الشئ النزر القليل، وقد اطلق على تلك المصنفات - التي نقل منها علماؤنا الاوائل - الاصول الاربعمائة، وإن جملة من تلك الاصول قد عرضت على الائمة المعصومين عليهم السلام فأقروها، وما كان مخالفا لاقوالهم نبهوا عليه وأنكروه. لفظ الشيعة وظهورها: أنها وردت في القرآن الكريم: (وإن من شيعته لابراهيم " (1)، وقد كان استعمالها على عهد النبي صلى الله عليه واله، حيث هو أطلقها سلام الله عليه، فقال: يا علي، أنت وشيعتك الناجون... ". وقد انتبه الى ذلك أبو حاتم السجستاني في كتابه " الزينة ": جلد 1 و 3 في باب الالفاظ المتداولة بين أهل العلم، فقال: " أول اسم ظهر في الاسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه واله هو الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة، وهم: أبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الاسود الكندي، وعمار بن ياسر، إلى أوان صفين،
---
(1)
الصافات: 83.
---
[23]

(1/18)

فانتشرت بين موالي علي عليه السلام ". حكاه في " الروضيات "، وقد ذكر صاحب " كشف الظنون " كتاب " الزينة " لابي حاتم سهل بن محمد السجستاني المتوفى سنة 250 ه‍. ومما يؤيد السجستاني ما ذكره محمد بن إسحاق المعروف بابن النديم، في كتابه " الفهرست " في أول الفن الثاني من المقالة الخامسة: " لما خالف طلحة والزبير على علي رضي الله عنه، وأبيا إلا الطلب بدم عثمان، وقصدهما عليه السلام ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل اسمه تسمى علي ومن إتبعه على ذلك الشيعة، فكان يقول: شيعتي... ". أما لفظة " السنة والجماعة "، فهي تسمية متأخرة، وذلك كانت عندما استغل معاوية بن أبي سفيان الامارة بعد مصالحة الحسن المجتبى ابن أمير المؤمنين عليهما السلام (1).
---
(1)
مقدمة تأسيس الشيعة: ص 38.
---
[24]
الشيعة وتدوين الحديث كان الاهتمام بتدوين الحديث ديدن بعض الصحابة منذ زمن الرسول صلى الله عليه واله، و قد فصلنا ذلك في كتابنا علم الرجال (1)، لكن مما ينبغي الاشارة إليه هنا: إن الامام علي عليه السلام كان في طليعة اولئك الصحابة، حيث أنه وعى وحفظ كل ما قاله الرسول صلى الله عليه واله له، وإن علم رسول الله صلى الله عليه واله لا تجده مجتمعا إلا عند الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام، حتى قال عنه الرسول صلى الله عليه واله: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتي الباب "، والحديث رواه جمع غفير من علماء الجمهور (2). ثم إن الامام علي كان أول من صنف في أحاديث الرسول صلى الله عليه واله، قال الشيخ النجاشي في ترجمة محمد بن عذافر: " أخبرنا محمد ابن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، عن محمد بن أحمد بن الحسن، عن عباد بن ثابت، عن عبد الغفار بن القاسم، عن عذافر الصيرفي، قال: كنت مع الحكم بن عيينة عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام فجعل يسأله وكان أبو جعفر له مكرها، فاختلفا في شئ فقال أبو
---

(1/19)

(1) راجع كتابنا " علم الرجال "، وأعيان الشيعة: 1 / 147 و 169. (2) راجع كتابنا ملامح شخصية الامام علي من كتب الجمهور: ص 67، ط بيروت.
---
[25]
جعفر: " يا بني، قم فأخرج كتاب علي "، فأخرج كتابا مدرجا عظيما، ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر: " هذا خط علي وإملاء رسول الله صلى الله عليه واله، وأقبل على الحكم وقال: " يا أبا محمد، اذهب أنت وسلمة والمقداد حيث شئتم، يمينا وشمالا، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل... الحديث " (1). وللامام علي عليه السلام كتاب آخر في الديات، سماه: " الصحيفة "، كان يعلقه عليه السلام بقراب سيفه، وكانت هذه الصحيفة نسخة منها عند محمد بن الحسن الصفار صاحب كتاب " بصائر الدرجات "، وهو من معاصري البخاري وقد روى البخاري في صحيحه عن هذه الصحيفة في باب كتابة العلم: 1 / 40، وفي باب إثم من تبرأ من مواليه: 4 / 289. وليس غريبا أن يتفوق الامام علي أمير المؤمنين عليه السلام على أقرانه في حفظه لاحاديث الرسول، وأن يعيها، ثم يكتبها خوفا من ضياعها وتلاعب أيدي المغرضين والطامعين بها، وقد أسلفنا أن أمير المؤمنين لازم الرسول طيلة حياته، في حضره وفي سفره، بينما بقية الصحابة: فمنهم من آثر الجهاد، ومنهم من آثر الحياة والمنصب، ومنهم من آثر الحياة والدعة والاثرة والصفق في الاسواق، وهذه كتب القوم تشهد بذلك، حيث رووا عن عمر قال: خفي علي هذا من رسول الله صلى الله عليه واله، ألهاني عنه الصفق في الاسواق (2). صحيح مسلم: 2 / 234 في كتاب الآداب، صحيح البخاري: 3 / 837 طبعة
---

(1/20)

(1) رجال النجاشي: ترجمة محمد بن عذافر ص 255، وكذلك يذكر هذا الكتاب: محمد بن الحسن الصفار في كتابه بصائر الدرجات: ص 162، فراجع الجزء الثالث، الباب الثاني عشر، في الائمة ان عندهم الصحيفة الجامعة التي هي إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله و خط علي عليه السلام. (2) الغدير: 6 / 158 و 276 و 303 و 306.
---
[26]
الهند، مسند أحمد: 3 / 19، سنن الرازي: 2 / 274، سنن أبي داود: 2 / 340، مشكل الآثار: 1 / 499. وقال ابي لعمر بن الخطاب: إنه يلهيني القرآن، ويلهيك الصفق في الاسواق (1). وفي قول آخر: أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه واله وأنك لتبيع القرظ بالبقيع، وأنت تبيع الخيط. وممن جد في كتابة الحديث، فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وكتابها يسمى: " مصحف فاطمة ". وبعد أمير المؤمنين جاء أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه واله، وصنف في الاحكام والسنن، قال عنه النجاشي في ذكر الطبقة الاولى من مصنفي الشيعة: " أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه واله واسمه أسلم، كان للعباس بن عبد المطلب - رحمه الله - فوهبه للنبي، فلما بشر النبي صلى الله عليه واله بإسلام العباس أعتقه، أسلم أبو رافع قديما بمكة، وهاجر إلى المدينة وشهد مع النبي صلى الله عليه واله مشاهده، ولزم أمير المؤمنين من بعده، وكان من خيار الشيعة، وشهد معه حروبه، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة، وابناه عبيدالله وعلي كاتبا أمير المؤمنين عليه السلام... ". ثم قال: " لأبي رافع كتاب السنن والاحكام والقضايا ثم ذكر إسناده إليه بابا بابا، الصلاة والصيام والحج والزكاة والقضايا... " (1). وبعد أبو رافع - ومن المصنفين الاوائل - أبو عبد الله سلمان الفارسي المحمدي، سماه رسول الله صلى الله عليه واله وهو من أكابر الصحابة والمقربين إلى الرسول وإلى وصيه من
---
(1)
سنن البيهقي: 7 / 69، تفسير القرطبي: 14 / 126، كنز العمال: 1 / 278 و 279. (2) رجال النجاشي: ص 6.
---
[27]

(1/21)

بعده أمير المؤمنين علي عليه السلام، صنف سلمان الفارسي كتاب حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم إلى النبي. وذكر الكتاب شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في فهرسته (1). وكذلك ذكره ابن شهر آشوب المازندراني في " معالم العلماء " (2). ومن الصحابة الذين صنفوا في الحديث: أبو ذر الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه واله، والذي قال فيه: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على رجل أصدق لهجة من أبي ذر " (3)، له كتاب " الخطبة "، يشرح فيه الامور التي بعد النبي صلى الله عليه واله، ذكره الشيخ الطوسي في " الفهرست " والمازندراني في " معالم العلماء " (4). الاصبغ بن نباتة المجاشعي الكوفي، وهو من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، روى عن الامام أمير المؤمنين " عهد الاشتر "، وهو كتاب معروف عند أهل السيرة والتاريخ والحديث، وكذا روى عنه عليه السلام وصيته إلى ابنه محمد بن الحنفية، والشيخ النجاشي يذكر طريقة إلى روايتهما (5). عبيدالله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين عليه السلام، ومن خواصه، شهد مع الامير حروبه، الجمل وصفين والنهروان، له كتاب " قضايا أمير المؤمنين "، وكتاب " تسمية
---
(1)
الفهرست للطوسي: ص 80. (2) معالم العلماء: ص 57. (3) مستدرك الحاكم: 3 / 342، وأخرجه ابن الاثير في " جامع الاصول " 10 / 34 برواية الترمذي عن انس تارة واخرى عن ابن عمرو بن العاص، وأخرجه ابن عبد البر في " الاستيعاب "، بهامش الاصابة: 4 / 64 وابن حجر العسقلاني في " الاصابة ": 4 / 64 ورواه الكشي في رجاله: 1 / 98. (4) الفهرست للطوسي: ص 46، معالم العلماء للمازندراني: ص 32. (5) الفهرست للطوسي ص 38، رجال النجاشي: ص 8.
---
[28]

(1/22)

من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة " (1). علي بن أبي رافع، وهو أيضا كاتب أمير المؤمنين عليه السلام، والخازن على بيت ماله، ومن خواصه، قال فيه النجاشي: " تابعي من خيار الشيعة، كانت له صحبة من أمير المؤمنين عليه السلام، وكان كاتبا له، وحفظ كثيرا، وجمع كتابا في فنون الفقه، الوضوء والصلاة وسائر الابواب... " (2). ربيعة بن سميع، له كتاب في زكاة النعم، يرويه عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، ويعد من الطبقة الاولى، ومن كبار التابعين، كان من أصحاب الامام أمير المؤمنين عليه السلام كما ذكره النجاشي (3). ميثم التمار بن يحيى أبو صالح، من حواري أمير المؤمنين عليه السلام، ولسان التشيع في زمن معاوية ومن بعده، له كتاب في الحديث، ويبدو أنه كبير، حيث ينقل منه الشيخ الطوسي في أماليه، وصاحب كتاب " بشارة المصطفى " ينقل عنه، وكذلك أبو عمرو الكشي في كتابه " الرجال "، قتله عبيدالله بن زياد في الكوفة، وقصته معروفة (4). سليم بن قيس، من حواري أمير المؤمنين عليه السلام، له كتاب معروف ومشهور، ويعد أصل من الاصول الاربعمائة، قال فيه النعماني، محمد بن إبراهيم في كتابه " الغيبة ": " وليس بين جميع الشيعة ; ممن حمل العلم ورواه عن الائمة، خلافا في أن
---
(1)
الفهرست للطوسي: ص 107، قال ابن حجر في " التقريب ": 1 / 532: عبيدالله بن أبي رافع المدني، مولى النبي صلي الله عليه وآله، كان كاتب علي، وهو ثقة، من الطبقة الثالثة، يعني توفي بعد المائة. (2) رجال النجاشي: ص 6 (3) رجال النجاشي: ص 8. (4) انظر ترجمة في رجال الكشي: 1 / 293 - 298.
---
[29]

(1/23)

كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أحد كتب الاصول التي رواها أهل العلم، وحملة حديث أهل البيت عليهم السلام، بل هو أقدمها. مات - رضى الله عنه - زمن الحجاج بن يوسف الثقفي. وهكذا، فإن الذين ألفوا في الحديث وصنفوا فيه من الشيعة زمن الرسول والامام علي والخلفاء الذين قبله هم كثيرون، أمثال: ربيعة بن سميع، ومحمد بن قيس البجلي التابعي، ويعلى بن مرة، وجابر بن يزيد الجعفي، وفي زمن الامام علي ابن الحسين بن علي زيد العابدين عليهم السلام، وزيد الشهيد ابن الامام زين العابدين، وأبو الجارود، وزياد بن المنذر، وهؤلاء جميعا من علماء ومشاهير التابعين، وكذلك زرارة بن أعين ت 150 ه‍، ومحمد بن مسلم الطائي ت 150 ه‍، وأبو عبيدة الحذاء، من أصحاب الامام الباقر عليه السلام، ومعاوية بن عمار ت 175 ه‍. وبعد هؤلاء تأتي طبقة اخرى، والتي تتلمذت على الامام أبي عبد الله جعفر ابن محمد الصادق عليهما السلام، وهم فوق حد الاحصاء، الا أن الشيخ المفيد في كتابه " الارشاد " عند ذكره لحياة الامام الصادق عليه السلام قال: " ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلاد، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الاخبار ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله عليه السلام فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات - على اختلافهم في الآراء والمقالات - فكانوا أربعة آلاف رجل " (1). وقال العلامة الطبرسي في " أعلام الورى ": " قد تظافر النقل بأن الذين رووا عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنف عنه أربعمائة كتاب معروفة عند الشيعة تسمى: " الاصول "، رواها
---
(1)
الارشاد: ص 270.
---
[30]

(1/24)

أصحابه وأصحاب ابنه موسى عليه السلام، وهذا العدد الذي ذكروه [4000] هم أشهر الرواة للامام الصادق عليه السلام، وإلا فإن الكثير منهم كان يلبس رداء التقية، ويتنكر بين أقرانه، بل والكثير ممن لم يدون لهم اسم كانوا من أقطار اخرى نائية " (1). وقال الشهيد محمد بن مكي العاملي في كتابه " الذكرى " ص 6: " وكتب من أجوبة مسائل أبي عبد الله الصادق صلوات الله عليه أربعة آلاف رجل من أهل العراق والحجاز وخراسان والشام، وكذلك عن مولانا الباقر عليه السلام " قال: " والرجال الباقون مشهورون اولو مصنفات مشهورة ". وقد أدرك الحسن بن علي الوشاء في عصر واحد تسعمائة رجل منهم في مسجد الكوفة كل يقول: حدثني جعفر بن محمد (2). وقال نجم الدين المحقق في " المعتبر " ما يشبه ذلك، ص 5. وقد ذكر شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في رجاله 3197 رجلا من أصحاب الامام الصادق، وهم من أبرز أصحابه، وأكابر علماء عصره، وممن صنف منهم في مختلف العلوم، ومن أصحاب الاجازة، ويعدون من مشايخ الاصحاب. هؤلاء جميعا ألفوا في علم الحديث، ومن أراد التفصيل في ما ذكرناه فعليه مراجعة كتب الفهارس، والرجال، والتراجم، والاعلام، يجد ذكرهم هناك. هذا ما يخص الصدر الاول حتى أواخر القرن الثاني الهجري تقريبا، والذي يمكن أن نعد منهم ثلاث طبقات لرجال الحديث. أقول: هذا الذي ذكرناه مما يؤكد أن تدوين الحديث بدأ منذ صدر الاسلام واستمر إلى يومنا هذا، فمن الواضح أن ما تقدم ذكره خير دليل في الرد على العلامة
---
(1)
انظر الوسائل: المقدمة ص " يب ". (2) رجال النجاشي: ص 40.
---
[31]

(1/25)

السيوطي الذي زعم أن تدوين الحديث بدأ في رأس المائة، قال في كتابه " تدريب الراوي ": " وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع في رأس المائة، في خلافة عمر ابن عبد العزيز بأمره، ففي صحيح البخاري في أبواب العلم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى ابي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه [وآله] فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء "، وأخرجه أبو نعيم في " تاريخ إصفهان " بلفظ آخر قال: " كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله فاجمعوه "، قال في " فتح الباري ": " يستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث النبوي "، ثم أفاد: " أن أول من دونه بأمر عمر بن عبد العزيز هو أبو بكر بن حزم الانصاري " (1). قال العلامة السيد حسن الصدر: " كانت خلافة عمر بن عبد العزيز سنتين وخمسة أشهر، مبدؤها عاشر صفر سنة ثمان أو تسع وتسعين، ومات سنة إحدى ومائة لخمس أو لست مضين، وقيل: لعشر بقين من رجب، ولم يورخ زمان أمره، ولا نقل ناقل امتثال أمره بتدوين الحديث في زمانه، والذي ذكره الحافظ ابن حجر من باب الحدس والاعتبار، لاعن نقل العمل بأمره بالعيان، ولو كان له عند أهل العلم بالحديث أثر بالعيان لما نصوا على أن الافراد لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله كان على رأس المائتين كما اعترف به شيخ الاسلام وغيره، قال: فأول من جمع الآثار ابن جريح بمكة، وابن إسحاق أو مالك بالمدينة، والربيع بن صبيح أو سعيد بن أبي عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والاوزاعي بالشام، وهيثم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالري، وابن المبارك بخراسان، قال
---
(1)
فتح الباري 1 / 157.
---
[32]

(1/26)

العراقي وابن حجر: وكان هؤلاء في عصر واحد، فلا ندري أيهم سبق. قال: إلى أن رأى بعض الائمة أن تفرد أحاديث النبي صلى الله عليه وآله خاصة، وذلك في رأس المائتين، وعدد جماعة، وقال الطيبي: أول من كتبه وصنف فيه من السلف ابن جريح، وقيل: مالك، وقيل: الربيع بن صبيح، ثم انتشر التدوين وظهرت فوائده. ثم قال: ألا تراه لم يذكر تدوين أحد قبل ابن جريح، وكذلك الحافظ الذهبي في " تذكرة الحفاظ " نص أن أول زمن التصنيف وتدوين السنن وتأليف الفروع بعد انقراض دولة بني امية وتحول الدولة إلى بني العباس، قال: ثم كثر ذلك في أيام الرشيد، وكثرت التصانيف، وأخذ حفظ العلماء ينقص، فلما دونت الكتب اتكل عليها، وإنما كان قبل ذلك علم الصحابة والتابعين في الصدور... " (1). إلى هنا عرفنا متى بدأ تدوين الحديث، ومن الذي ألف فيه من الصحابة والتابعين، بضمنها الاصول الاربعمائة (2)، غير أن أغلب تلك المصنفات لم تصل إلينا بسبب يد الحدثان، وجور الزمان، وتعسف الولاة والحكام في اضطهاد الشيعة الموالين لاهل البيت عليهم السلام، ومع كل ذلك فقد وصلنا جملة مهمة من تراث الاوائل، بحيث عليها مدار الاستدلال، ومنها تستنبط الاحكام، وقد شغلت أرباب الفقه والحديث والسيرة والاخلاق، وعلى سبيل المثال نذكر منها: كتاب " المحاسن " لاحمد بن أبي عبد الله البرقي ت 280 ه‍، أحد كبار الشيعة، ومن أصحاب الامام الجواد والهادي عليهما السلام. وكتاب " كامل الزيارات " لابي القاسم جعفر بن قولويه ت 368 ه‍، ويعد هذا الكتاب من الاصول المعتبرة، وقد اعتمد عليه كل من الصدوق، والشيخ الطوسي،...
---
(1)
تأسيس الشيعة: ص 279. (2) راجع للزيادة الغدير: 2 / 125.
---
[33]

(1/27)

وهكذا من جاء بعدهم. وكتاب " تفسير علي بن إبراهيم القمي "، وهو أيضا من الكتب المعتبرة. وكتاب " بصائر الدرجات " لمحمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمي، من أصحاب الامام العسكري عليه السلام، ومن مشاهير الشيعة آنذاك. وكتاب " قرب الاسناد " لابي العباس عبد الله بن جعفر الحميري من أصحاب الامام العسكري عليه السلام و " والاشعثيات " لابي علي محمد بن محمد الاشعث الكوفي، من أعلام القرن الرابع الهجري. * * * أهم المراكز العلمية القديمة للشيعة (أولا) المدينة المنورة: الحديث عن تاريخ المدن - إذا أردنا أن ندخل غماره ونخوض لججه - يحتاج إلى فرصة غير التي نحن فيها، ومناسبة أوسع حتى نلم بكل الجزئيات التي لابد منها، والتفصيل فيها. ولما كان أصل الموضوع هو الحديث عن الكليني والكافي، وما يرتبط به من مواضيع اخرى متعلقة فيه من حيث الجانب العلمي والعقائدي، وجدنا أنفسنا أمام حاجة ملحة للحديث عن المراكز العلمية للشيعة، قديما وحديثا، ومدى تطور الفكر الشيعي وانتشاره في الاصقاع والبلدان.
---
[34]

(1/28)

إن أول بيئة ظهر فيها التشيع هي المدينة المنورة - يثرب -، إذ بعدما هاجر إليها الرسول صلى الله عليه وآله من مكة مع ثلة من أصحابه والذين سموا فيما بعد بالمهاجرين، كان من بينهم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب، وبعض ممن أيده وناصره من قريش. ولما تركزت الدعوة الاسلامية، وأرست قواعدها في المدينة المنورة، واقيمت فيها الدولة الاسلامية وعلى رأسها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم - أنذاك - استوطنتها العوائل وبالذات قريش، واتخذتها المقر الدائم لها. ومن قريش الذين سكنوا في المدينة، أولاد عبد المطلب: عبد الله، والعباس، وأبو طالب، وجعفر، وعقيل، والحارث، وغيرهم. لقد اهتم الرسول صلى الله عليه وآله بقريش لما توجه الخطاب إليه من إعلان دعوته إلى الناس على أن يبدأ بعشيرته، فقال تعالى: " وانذر عشيرتك الاقربين... " (1). فلما نزلت هذه الآية أمر النبي عليا أن يهئ له طعاما، وهو رجل شاة وعشرة أقراص من الخبز وقعبا (2) من اللبن، ثم دعا قومه من آل هاشم وهم: بنو عبد المطلب، وكانوا أنذاك أربعين رجلا، يزيدون واحدا أو ينقصونه مثله، فقدم لهم ذلك الطعام، فأكلوا منه حتى شبعوا، وبقي الطعام على حاله كأن لم تمد إليه الايدي، وأن الواحد منهم ليأكل الجذعة (3) ويشرب الفرق (4). ثم قال لهم: " أيكم يؤازرني ليكون أخي ووارثي ووزيري ووصيي وخليفتي فيكم بعدي "، - قالها ثلاثا - فلما
---
(1)
الشعراء: 214. (2) القعب: القدح الضخم، الغليظ، الجافي. لسان العرب: مادة " قعب ". (3) الجذعة هنا، هو البعير إذا استكمل أربعة أعوام ودخل في السنة الخامسة. لسان العرب: مادة " جذع ". (4) الفرق والفرق مكيال ضخم لاهل المدينة معروف. لسان العرب: مادة " فرق ".
---
[35]

(1/29)

لم يجبه إلى ذلك أحد سوى علي بن أبي طالب عليه السلام قال لهم النبي صلى الله عليه وآله: " هذا أخي، و وارثي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي فيكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا ". ثم أنذرهم كما أمره الله سبحانه، ودعاهم إلى نبذ الاصنام وعبادة الله، فقام أبو لهب وهو يسخر من كلام النبي صلى الله عليه وآله، كما أنه أخذ يحرض قريش عليه، أما أبو طالب فوقف إلى جنب النبي وقال كلمته المشهورة: " والله لننصرنه ثم لنعيننه، يا ابن أخي إذا أردت أن تدعو إلى ربك فاعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح " (1). وقد آمن به بعضهم وجحده الآخرون، فالذين آزروه وناصروه من أهل بيته أنذاك هم، علي بن أبي طالب، ثم جعفر، ثم أبوهما، وعقيل، و...، وقد فدوه بأنفسهم وناصروه في كل مراحل دعوته... فلا غرابة لو اهتم بهم أو أثنى عليهم أو قربهم، بل أن الله سبحانه مدحهم في كتابه الكريم في مناسبات عديدة حتى طهرهم من كل دنس ورجس، قال تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (2). وقد ظهر فضل أهل بيته عليهم السلام جليا في جميع مراحل الدعوة إلى الله، ونشر راية التوحيد، حتى عرفهم البعيد والقريب، ودان لفضلهم الناس، وتوجهت إليهم القلوب قبل أن تشخصهم العيون. ولما كان شأنهم هذا، وإخلاصهم للدين لا يضاهيهم فيه أحد فقد اختار الله من بينهم عليا للخلافة، كما اختار من بينهم محمدا صلى الله عليه وآله نبيا. والاخبار في فضلهم متواترة من الفريقين وقد جاوزت حد الشهرة، وعلى رأس تلك الاخبار تلك التي خصت بالامام على، منها: حديث الغدير، وحديث
---
(1)
انظر تاريخ اليعقوبي: 1 / 27، دار صادر بيروت. (2) الاحزاب: 33.
---
[36]

(1/30)

المنزلة، وحديث المؤاخاة. هذه الاخبار والاحاديث الصادرة من النبي صلى الله عليه وآله بحق علي بن أبي طالب، والآيات التي نزلت فيه كانت من الاسباب المهمة لالتفاف جل الصحابة و أبرزهم حول الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكانت هي اللبنة الاولى - وفي زمن الرسول - لنشوء التشيع في المدينة المنورة. قال صاحب " خطط الشام ": (عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله، مثل: سلمان الفارسي القائل: " بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين، والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له "، ومثل: أبي سعيد الخدري الذي يقول: " امر الناس بخمس، فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولما سئل عن الاربع قال: الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج، قيل له: فما الواحدة التي تركوها ؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وإنها لمفروضة معهن ؟ قال: نعم هي مفروضة معهن "، ومثل: أبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن ثابت، وأبي أيوب الانصاري، وخالد بن سعيد بن العاص، وقيس بن سعيد بن عبادة " (1). والذي وقف مع أمير المؤمنين علي عليه السلام هم خيرة الصحابة، كما ظهر في النص المتقدم، أما الذين أعرضوا عنه هم سواد الناس، والهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق، ويميلون مع كل ريح. وقد غذى أمير المؤمنين تيار التشيع في المدينة المنورة بادئ الامر ورعى أصحاب المواهب والخصال الرفيعة، بما كان يتمتع به عليه السلام من تقوى، وإخلاص و إيثار، وعلم، وحلم، وورع، وشجاعة، وصبر و...، هذه الصفات والخصال الحميدة لم تكن مجتمعة في من سواه، ولا عرفت فيمن هو دونه، لهذا اجتمع الاخيار الاوائل
---
(1)
خطط الشام لمحمد كرد علي: 5 / 251.
---
[37]

(1/31)

حول أمير المؤمنين، وكانوا سنده، وهم أصحابه وحواريه. قال البرقي في رجاله: " أصحاب علي أمير المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ينقسمون إلى: الاصحاب، ثم الاصفياء، ثم الاولياء، ثم شرطة الخميس... من الاصفياء: سلمان الفارسي، المقداد، أبو ذر، عمار، أبو ليلى، شبير، أبو سنان، أبو عمرة، أبو سعيد الخدري، أبو برزة، جابر بن عبد الله، البراء ابن عازب، عرفة الازدي،...،... وأصحاب أمير المؤمنين الذين كانوا شرطة الخميس: كانوا ستة آلاف رجل... وسمى منهم: سلمان، والمقداد، وأبو ذر، وعمار، وأبو سنان، وأبو عمرة، وسهل، وعثمان ابني حنيف الانصاريين. ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام عمرو بن الحمق الخزاعي، وميثم التمار، و رشيد الهجري، وحبيب بن مظاهر الاسدي، ومحمد بن أبي بكر. ومن الاولياء: الاعلم الازدي، سويد بن غفلة الجعفي، الحارث بن عبد الله الاعور الهمداني، أبو عبد الله الجدلي، وأبو يحيى حكيم بن سعيد الحنفي،... ومن خواص أصحاب أمير المؤمنين من مضر: تميم بن حذيم الناجي، وقنبر مولى علي عليه السلام، وأبو فاختة - سعيد بن حمران - مولى بني هاشم، وعبيدالله بن أبي رافع كاتب علي عليه السلام (1). وقد ذكر البرقي جملة من أصحاب الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام من قبائل مضر، وهمدان، وربيعة، واليمن،...، وأن أغلب هؤلاء ساروا مع أمير المؤمنين إلى الكوفة اثناء خلافته، وما رسوا أعمالا إدارية ومهاما عسكرية، فشاركوه في حروبه، وكانوا له عمالا على الامصار والبلدان...
---
(1)
رجال البرقي - أحمد بن أبي عبد الله البرقي ت 274 ه‍: ص 3 - 7.
---
[38]

(1/32)

وقد شهد بفضل أمير المؤمنين ومنزلته أعداؤه ناهيك عن محبيه، والذي في مقدمتهم النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم. بعد مرحلة عصر الوحي والرسالة بقيت بنو هاشم تحتل الصدارة من بين القبائل العربية وقريش بالخصوص، كما أن الامام عليا عليه السلام كان في طليعتهم، والذي كان يحتل منزلة علمية مرموقة بين أصحاب الرسول، بل أن الجميع كانوا يلجأون إليه في المهمات، فهذا عمر بن الخطاب قد احصي عليه أكثر من ثلاثين مناسبة يقول فيها: " لو لا علي لهلك عمر "، أو: " أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها " وما في هذا المضمون (1). بعد مقتل عثمان بن عفان انتقلت الخلافة إلى الكوفة مع البيت الهاشمي، إلا أن المدينة بقيت المركز الام للهاشميين، وما أن استشهد الامام أمير المؤمنين في الكوفة، وبعده بسنين تم الصلح بين الامام الحسن عليه السلام ومعاوية، عاد البيت الهاشمي مرة اخرى إلى مدينة جدهم ليستقروا بها، وتعود الامة إليهم فينهلوا من الماء المعين الذي غذاهم به الرسول صلى الله عليه وآله إذ علمهم توارثوه عن الآباء والاجداد عن النبي عن الله سبحانه، فهم عيبة علم الوحي، وخزانه، وامناؤه،...،... لقد شهدت المدينة المنورة حركة علمية بالخصوص زمن الصادقين عليهما السلام، و
---
(1)
قال معاوية: كان عمر إذا اشكل عليه شئ أخذه من علي. الرياض النضرة: 2 / 194 مطالب السؤول: ص 30. وقال عمر: اللهم لا تنزل بي شديدة إلا وأبو الحسن إلى جنبي. الرياض النضرة: 2 / 194. وقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لو لا علي بن أبي طالب. الكفاية للكنجي: ص 105، والدر المنثور: 1 / 288. وقوله: أعوذ بالله من معضلة لا علي بها. نور الابصار للشبلنجي: ص 79. ثم انظر الاستيعاب: 3 / 39، مناقب الخوارزمي: ص 48، تذكرة ابن الجوزي: ص 87، تفسير الرازي: 7 / 484.
---
[39]

(1/33)

أن المحافل العلمية في المدينة كانت تشكل الدعامة القوية لنصرة التشيع وأهل البيت عليهم السلام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله يشهد بذلك. كما أن صحابة السول اتجهوا إلى الائمة عليهم السلام عند تواجدهم في المدينة، كالامام زين العابدين، والامام الباقر، والامام الصادق، والامام الكاظم عليهم السلام، فمثلا اتجه علماء المدينة في أواخر القرن الاول الهجري الى الامام الباقر عليه السلام للاخذ عنه والاختلاف إليه مع وجود رجال من الصحابة والتابعين الذين انفردوا عن خط أهل البيت، بل وشكلوا تيارا منافسا لهم، ومع ذلك لم يحظوا بالمكانة العلمية لما كان يحتلها الامام الباقر عليه السلام وغيره من الائمة عليهم السلام. قال الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أعلام القرن السادس الهجري في " إعلام الورى ": " قد اشتهر في العالم تبرزه على الخلق في العلم والزهد والشرف ما لم يؤثر عن أحد من أولاد الرسول صلى الله عليه وآله وقبله من علم القرآن والآثار والسنن، وأنواع العلوم والحكم والآداب ما آثر عنه، واختلف إليه كبار الصحابة و وجوه التابعين وفقهاء المسلمين، وعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله ب‍ " باقر العلم " على ما رواه نقلة الاخبار، عن جابر بن عبد الله الانصاري أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: " يوشك أن تبقى إلى أن تلقى ولدا لي من الحسين يقال له: محمد، يبقر علم الدين، فإذا لقيته فاقرئه عني السلام " (1). وقال الطبرسي: وروي عن أبي مالك، عن عبد الله بن عطاء المكي، قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي ابن الحسين عليهم السلام، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي
---
(1)
إعلام الورى: ص 268.
---
[40]

(1/34)

بين يدي معلمه (1). هكذا كانت المحافل العلمية في المدينة المنورة زمن الامام الباقر عليه السلام. ومن المؤسف جدا لم يهتم مؤرخو المسلمين بتدوين تلك المحافل العلمية إلا ما ورد في بطون الكتب، وهي مبثوثة بشكل احتجاجات اضطر إليها أئمة أهل البيت عليهم السلام لمحاججة خصومهم، وقد دأب أعداؤهم على إخفاء الكثير من تلك، لانها كانت صرخات حق بوجه الظالمين من حكام الجور، وهم بنو امية... ثم هناك مؤلفات كتبت في منتصف القرن الثاني الهجري، مثل " تاريخ المدينة " لابن زبالة الذي كان حيا سنة 199 ه‍، وكتب الواقدي المتوفى سنة 207 ه‍ تاريخا للمدينة، وكتب المدائني المتوفى 215 ه‍، وكتاب " أخبار المدينة " للزبير بن بكار المتوفى 256 ه‍، إلا أن جل هذه الكتب وغيرها لم تصل إلينا، حيث لعبت بها أيدي الحدثان، وأتلفتها الازمان. لكن كل ذلك لم يفقد بصيص الامل فيما لو أراد الباحث أن يستقرئ أحوال المدينة المنورة اجتماعيا، وسياسيا، وعلميا، ودينيا، طالما كتب الانساب والتراجم والاخبار والحديث زاخرة بفصول كثيرة ومهمة عن الصحابة والتابعين، ودورهم في الدعوة الاسلامية، ونصرتهم للرسول وأهل البيت عليهم السلام. (ثانيا) الكوفة: مصرت الكوفة زمن عمر بن الخطاب عام 17 ه‍ لما دخلها الجند القادمون من المدينة الى القادسية والمدائن، وكان سبب تمصيرها هو أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص يأمره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة، وأن لا يجعل بينه
---
(1)
إعلام الورى: ص 269.
---
[41]

(1/35)

وبينهم بحرا، فأتى الانبار كي يتخذها مستوطنا له، فلما نزلها كثر عليهم الذباب لنتن هوائها ودكارة مائها، فتحول إلى موضع آخر فلم يصلح كذلك، فتحول إلى الكوفة فاختطها، واقطع للجند القطع والمنازل، وبنى في وسطها مسجدها المعروف اليوم. وقد نزلها زمن عمر بن الخطاب ثلة من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله كابن مسعود، و عمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، والبراء بن عازب الانصاري،...،... علما أن هؤلاء كانت لهم مهام إدارية أو علمية، فعمار بن ياسر جاءها واليا من قبل عمر بن الخطاب بعد ما عزل واليها الاسبق سعد بن أبي وقاص، وبعضهم وكلت إليه مهمة القضاء كعروة بن أبي الجعد البارقي، وبعضهم كان معلما للقرآن كابن مسعود... هؤلاء الصحابة - القادمون من المدينة مع الجند الذي فتح القادسية و مصر الكوفة - كانوا يعرفون أهمية الامام علي عليه السلام في الخلافة والامرة، ويعترفون بفضله، وسابقيته في الاسلام، وعلمه، وشجاعته، لهذا كان جلهم يميلون إليه و يتشيعون له، ولما دخلوا الكوفة بثوا كلمة الحق بين صفوف الجند من قبائل مضر واليمن وربيعة وثقيف وهوازن. لذا كانت الكوفة تميل إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام قبل أن يدخلها خليفة أو يتخذها عاصمة للدولة الاسلامية. ولما قتل عثمان بن عفان، وبويع الامام علي بالخلافة، واستقرت عاصمة المسلمين في الكوفة، بدأ التشيع يأخذ قراره فيها، وترسوا قواعده، بفضل الوعي الذي عم أطراف البلاد الاسلامية. وقد اتجهت القلوب والافئدة الطاهرة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، لانسانيته، وعدالته في الحكم، ومساواته بين الرعية، كما أن العالم الاسلامي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله لم يشهد ممارسة فعلية لاقامة الحدود الشرعية، والانتصار للمظلوم
---
[42]

(1/36)

من الظالم، والوقوف بوجه الطبقية، إلا في زمن الامام أمير المؤمنين عليه السلام. والاسباب في ذلك واضحة جلية، وقد شهد الجميع على أنه لا تأخذه في الله لومة لائم، هذا عقيل أخوه يطلب منه شيئا إضافيا على سهمه، فيكوي له حديدة و يضعها على يده فيئن منها، فيجيبه: " إنك تإن من حديدة صيرها إنسان للعبه، فكيف تجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه " (1). هكذا عدالة أمير المؤمنين عليه السلام... بينما تجد من سبقه صير خلافته مغنما لبني عمومية، حتى ظهرت الطبقية في المجتمع في زمنة. نعم، من اطلع على كتب التاريخ والسيرة والتراجم والحديث يجد صدق المدعى، إذ أن تلك الكتب مليئة بسقطات خلفاء السلف، لكن لا تجد أي سقطة أو خدشة في سيرة الامام علي عليه السلام في أي مرحلة من مراحل حياته وخلافته، فلم يقرب أبناء جلدته إلى الحكم، ولا آثر من دنياه حطامها، بل اكتفى بما يسد رمقه، أقراص من خبز الشعير. هذا هو أمير المومنين أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام
---
(1)
قال في خطبة له عليه السلام يتبرأ من الظلم: " والله، لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الالوان، من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرر علي القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقتي، فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل، يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني الى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من الاذى ولا أئن من لظى ؟... ". نهج البلاغة: خطبة: 224، ص 346، من كلام له عليه السلام: يتبرأ من الظلم. تحقيق صبحي الصالح.
---
[43]

(1/37)

الصحابة الذين نزلوا الكوفة: ثم لا غرابة أن تكون الكوفة مركزا لصحابة الرسول - بعد المدينة - والتابعين والقراء والعلماء من أهل الحديث والتفسير والفقه والنحو، طالما نزلها أمير المؤمنين وسيد العارفين وأعلم الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله، بل أن النبي صلى الله عليه وآله أمر الامة باتباعه، وأخذ العلم ومعارف الدين عنه عليه السلام، إذ قال: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتي الباب... "، إلى غير ذلك من الاحاديث الشريفة التي قالها النبي صلى الله عليه وآله بحق أمير المومنين عليه السلام لذا تجد كبار الصحابة من القراء وحملة الحديث يتجهون إلى الكوفة لتكون مستقرا لهم، بل ليكونوا جنودا للاسلام تحت راية أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام وإليك بعض الصحابة الذين نزلوا الكوفة في عهد أمير المؤمنين عليه السلام أو من دخلها بأمر منه في زمن فتحها على عهد عمر بن الخطاب: 1 - اسامة بن شريك الثعلبي، من قيس غيلان، روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله. 2 - الاسود بن ثعلبة اليربوعي، شهد خطبة النبي في حجة الوداع. 3 - الاسود بن يزيد بن قيس النخعي، معمر مخضرم، توفي سنة 74 ه‍. 4 - أبو طيبة، صاحب منحة رسول الله صلى الله عليه وآله وممن حدث عن الرسول قوله صلى الله عليه وآله: " بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان... إلخ " الحديث. 5 - أبو خلاد، ممن روى عن الرسول صلى الله عليه وآله. 6 - أبو الخطاب، ممن روى عن الرسول صلى الله عليه وآله. 7 - أبو امية الفزاري، ذكره ابن سعد في طبقاته وآخرون. 8 - ابن أبي شيخ المحاربي، ذكره ابن سعد في طبقاته. 9 - الاشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، شهد مع أمير المؤمنين عليه السلام
---
[44]

(1/38)

يوم صفين، مات بالكوفة في داره التي ابتناها في كندة. 10 - الاغر بن يسار المزني من المهاجرين. 11 - أبو قتادة بن ربعي الانصاري، ممن شهد غزوة احد، نزل الكوفة ثم ارتحل إلى المدينة ومات فيها سنة 54 ه‍. 12 - البراء بن عازب بن الحارث الانصاري، نزل الكوفة وله فيها دار، ثم انتقل إلى المدينة وتوفي فيها زمن مصعب بن الزبير. 13 - برهة بن معاوية بن أبي سفيان بن منقذ، أبو قبيصة. 14 - نمير، أبو مالك الخزاعي. 15 - بلال بن بليل بن اميحة، شهد غزوة احد وغيرها، ثم نزل الكوفة ناصرا لامير المؤمنين وقاتل معه، وقيل: إستشهد في صفين. 16 - بشير بن الخصاصية، وقيل: اسمه زحم بن معبد الدوسي. 17 - ثابت بن وديعة بن جذام. 18 - ثعلبة بن الحكم بن عرفطة الليثي، شهد مع النبي صلى الله عليه وآله غزوة حنين. 19 - جرير بن عبد الله البجلي، أبو عمرو، له دار في الكوفة في بجيلة، توفي بالسراة زمن النعمان بن قيس سنة 51 ه‍. 20 - جابر بن سمرة السوائي، حليف بني زهرة، له دار في الكوفة، قيل: إنه توفي سنة 74 ه‍. 21 - جابر بن أبي طارق الاحمسي من بجيلة. 22 - جبة بن خالد الاسدي، روى عن النبي صلى الله عليه وآله. 23 - الجحدمة، وقيل: جهدمة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله. 24 - جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي.
---
[45]

(1/39)

25 - الحارث بن زياد الانصاري، كان بدريا، ابتنى له دارا بالكوفة. 26 - الحارث بن سويد. 27 - الحارث بن قيس الجعفي. 28 - حارثة بن وهب الخزاعي، أخو عبيد الله بن عمر لامه. 29 - الحارث بن حسان البكري الذهلي، ممن روى عن النبي صلى الله عليه وآله. 30 - حبشي بن جنادة بن نصر بن اسامة، شهد مع أمير المؤمنين علي عليه السلام غزواته: الجمل، وصفين، والنهروان. 31 - حذيفة بن أسيد الفغاري، شهد مع النبي صلى الله عليه وآله صلح الحديبية، قيل: إنه مات سنة 42 ه‍. 32 - حذيفة بن اليمان، شهد احد مع النبي صلى الله عليه وآله وباقي المشاهد، توفي بالمدائن زمن أمير المؤمنين علي عليه السلام سنة 36 ه‍. 33 - حريز، له رواية عن النبي صلى الله عليه وآله، ذكره البغوي. 34 - حنظلة بن الربيع التميمي الكاتب للنبي صلى الله عليه وآله، شهد القادسية، ونزل الكوفة واعتزل أمير المؤمنين عليه السلام، وقد مات في خلافة معاوية في قرقيسيا. 35 - خالد بن عرفطة، له دار في الكوفة، مات سنة 60 ه‍ فيها. 36 - خريم بن الاخرم بن شداد بن عمرو. 37 - خزيمة بن ثابت بن فاكة الخطمي الانصاري، ذو الشهادتين، نزل مع أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة واستشهد معه في صفين سنة 37 ه‍. 38 - خلاس بن عمرو. 39 - خيثمة بن عبد الرحمان. 40 - خباب بن الارت، شهد بدرا، ونزل الكوفة وابتنى فيها دارا، وشهد
---
[46]

(1/40)

مع أمير المؤمنين عليه السلام صفين وتوفي بعد منصرفه منها، فصلى عليه أبو الحسن عليه السلام، و دفن بظهر الكوفة. 41 - دكين بن سعيد الخثعمي. 42 - رباح بن الربيع بن صيفي التميمي. 43 - الربيع بن خيثم. 44 - الرسيم العبدي الهجري. 45 - رشيد بن مالك السعدي التميمي الاسدي. 46 - رفاعة بن يثربي، الذي يكنى أبو رمثة التميمي، وقيل: اسمه حبيب بن حيان، وقيل: يثربي بن رفاعة. 47 - زاذان، أبو عمرو الكندي. 48 - زاهر بن زاهر الاسلمي، ممن بايع تحت الشجرة، وهو صاحب عمرو بن الحمق الخزاعي. 49 - زر بن حبيش، توفي سنة 82 ه‍، معمر، مخضرم، وله من العمر 120 سنة. 50 - زياد بن جرير. 51 - زيد بن أرقم الانصاري، له دار في الكوفة، توفي زمن المختار سنة 68 ه‍. 52 - زيد بن أبي شيبة. 53 - زيد بن صوحان. 54 - زيد بن وهب. 55 - سعد بن أبي وقاص شهد بدرا، وفتح القادسية، ونزل الكوفة ووليها من قبل عمر بن الخطاب ثم عزل منها، ثم وليها من قبل عثمان بن عفان ثم عزل
---
[47]

(1/41)

منها، توفي بالمدينة سنة 55 ه‍. 56 - سالم بن عبيد الاشجعي، من أهل الصفة. 57 - سعد بن جبير بن معاوية، شهد احدا ونزل الكوفة. 58 - سعيد بن حريث بن عمرو بن عثمان، شهد فتح مكة، ثم نزل الكوفة ومات فيها. 59 - سعيد بن يزيد بن عمرو بن ثفيل بن عبد العزى، شهد بدرا، وتوفي سنة 50 ه‍. 60 - سلمان الفارسي، أبو عبد الله، شهد الخندق، ثم نزل الكوفة مع الامير عليه السلام، ثم واليا على المدائن من قبل أمير المؤمنين عليه السلام، وتوفي فيها سنة 36 ه‍. 61 - سلمان بن صرد بن جون الخزاعي، ممن شهد صفين مع الامير عليه السلام، وقد كاتب الحسين عليه السلام لكن لم يشهد كربلاء، إذ حبسه عبيدالله بن زياد، ثم اشترك مع التوابين واستشهد سنة 65 ه‍. 62 - سلمة بن صهيب. 63 - سلمة بن قيس الاشجعي الغطفاني. 64 - سلمة بن نعيم بن مسعود الاشجعي. 65 - سلمة بن يزيد بن مشجعة المذحجي. 66 - سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير، حليف بني زهرة، توفي سنة 58 ه‍، وقيل: غير ذلك. 67 - سمرة بن جندب بن هلال بن جريح، من حلفاء الانصار، وهو غير الذي مر، توفي سنة 59 ه‍. 68 - سويد بن غفلة المذجحي، ولد عام الفيل، وتوفي بالكوفة سنة 82 ه‍.
---
[48]

(1/42)

69 - سويد بن قيس العبدي، أبو مرحب. 70 - سويد بن مقرن أبو عدي. 71 - سنان بن مقرن، ممن شهد الخندق مع النبي صلى الله عليه وآله. 72 - سهل بن حنيف، شهد بدرا، ونزل الكوفة، ثم ولاه أمير المؤمنين المدينة، وقد توفي بعد ذلك في الكوفة سنة 38 ه‍ وصلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام. 73 - شرحبيل بن الاعور بن عمرو بن معاوية. 74 - شريح بن الحارث الكندي، ولي قضاء الكوفة، وهو من المعمرين، مخضرم، استمر في القضاء الى سنة 62 ه‍، توفي سنه 70 ه‍. 75 - شقيق بن سلمة. 76 - شكل بن حميد العبسي. 77 - شيبان الانصاري، وهو جد أبي هبير الشيباني الانصاري. 78 - صخر بن العيلة بن عبد الله بن ربيعة. 79 - صفوان بن عسال المرادي، شهد بعض غزوات الرسول صلى الله عليه وآله. 80 - الصنابح بن عمير، أبو صفوان. 81 - ضرار بن الازور - مالك - بن أوس بن خزيمة. 82 - طارق بن الاشيم الاشجعي. 83 - طارق بن زياد الجعفي، توفي سنة 100 ه‍. 84 - طارق بن عبد الله المحاربي. 85 - طلحة بن مصرف الايامي. 86 - الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. 87 - عامر بن شهر الهمداني، أحد عمال النبي صلى الله عليه وآله على اليمن.
---
[49]

(1/43)

88 - عامر بن عمرو المزني، أبو هلال. 89 - عامر بن واثلة الكناني، آخر من مات من الصحابة، توفي 110 ه‍. 90 - عبد بن أبي أوفر، علقمة، نزل الكوفة ومات فيها سنة 86 ه‍، وهو آخر صحابي توفي فيها. 91 - عبد الرحمان بن الاسود النخعي. 92 - عبد الرحمان بن أبي عقيل الثقفي. 93 - عبد الرحمان بن أبي ليلى، غرق مع ابن الاشعث سنه 83 ه‍. 94 - عبد الرحمان بن حسنة الجهني، أخو شرحبيل بن حسنة. 95 - عبد الرحمان بن مقرن المزني. 96 - عبد الرحمان الهمداني. 97 - عبد ربه بن سيلان، وقيل: اسمه جابر. 98 - عبد الله بن سخبرة. 99 - عبد الله بن حبيب السلمي، معلم القرآن في الكوفة أربعين عاما، يكنى أبا عبد الرحمان، توفي سنه 72 ه‍. 100 - عبد الله بن عتبة بن مسعود. 101 - عبد الله بن قيس، أبو موسى الاشعري، شهد خيبر، ونزل الكوفة، و هو أحد الحكمين، توفي بالمدينة سنة 42 ه‍. 102 - عبد الله بن مسعود الهذلي، أبو عبد الرحمان، شهد بدرا، ونزل الكوفة وله دار فيها، ثم توفي بالمدينة سنة 32 ه‍. 103 - عبد الله بن المعرض بن عمر، أبو المغيرة. 104 - عبد الله بن يزيد بن زيد الخطمي الانصاري، نزل الكوفة ومات فيها،
---
[50]

(1/44)

وقد وليها زمن عبد الله بن الزبير. 105 - عبيد بن خالد السلمي، شهد صفين، وبقي إلى زمن الحجاج. 106 - عبيدة بن قيس السلماني، توفي سنه 72 ه‍. 107 - عبيدة بن نضلة. 108 - عتاب بن شمير. 109 - عتبة بن فرقد من قبيلة ربيعة، نزل الكوفة وله دار فيها، فتح الموصل في عهد عمر، ثم توفي في الكوفة سنة 18 ه‍. 110 - عدي بن حاتم الطائي، شهد مع الامير عليه السلام الجمل وصفين، وذهبت إحدى عينيه يوم الجمل، توفي زمن المختار سنة 68 ه‍. 111 - عدي بن عميرة الكندي، أبو زرارة، توفي بالكوفة سنة 40 ه‍. 112 - عرفجة بن شريح الاشجعي. 113 - عروة بن أبي الجعد البارقي الازدي، كان قاضيا من قبل عمر على الكوفة. 114 - عروة بن مضرس بن أوس الطائي. 115 - عقبة بن عمرو، أبو مسعود الانصاري، توفي بالمدينة في أواخر زمن معاوية. 116 - عقيل بن مقرن المزني، أبو حكيم. 117 - علقمة بن قيس النخعي، توفي سنه 72 ه‍. 118 - عمار بن ياسر اليماني، أبو اليقظان، شهد حروب أمير المؤمنين عليه السلام واستشهد بصفين سنة 37 ه‍. 119 - عمارة بن رويمة.
---
[51]

(1/45)

120 - عمرو بن الحمق الخزاعي، شهد معارك أمير المؤمنين عليه السلام، وكان أحد الرسل إلى معاوية من قبله عليه السلام، ثم قتله معاوية سنة 51 ه‍ مع ثلة من جل أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. 121 - عمر بن خارجة بن المنتفق الاسدي، حليف بني امية وآل أبي سفيان. 122 - عمرو بن الاحوص الجشمي، شهد مع النبي حجة الوداع. 123 - عمرو بن بليل بن احيحة. 124 - عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان، ابتنى له دارا في الكوفة، توفي فيها سنة 85 ه‍. 125 - عمرو بن شرحبيل الهمداني. 126 - عمرو بن ميمون الاودي، معمر، مخضرم، توفي سنة 74 ه‍. 127 - عمير بن أفلح بن شرحبيل بن ربيعة الهمداني. 128 - عوف بن الحارث بن عوف، استشهد بصفين. 129 - غالب بن أبحر المزني. 130 - الفجيع بن عبد الله بن خندج العامري، ممن كتب للنبي صلى الله عليه واله. 131 - فرات بن حيان بن ثعلبة، ممن شهد الخندق، ثم نزل الكوفة وله فيها دار. 132 - الفلتان بن عاصم الجرمي. 133 - قرظة بن كعب الانصاري، ممن وجههم عمر بن الخطاب من الانصار مع عمار بن ياسر إلى الكوفة في ولايته. 134 - قطبة بن مالك من بني ثعلبة. 135 - قيس بن الحارث الاسدي.
---
[52]

(1/46)

136 - قيس بن سعد بن عبادة الساعدي، ممن خدم النبي صلى الله عليه واله عشر سنين، سار مع أمير المؤمنين عليه السلام وكان على شرطة الخميس، وشهد صفين، توفي سنة 85 ه‍. 137 - قيس بن عائد البجلي، أبو كاهل، توفي زمن المختار. 138 - قيس بن عمير بن وهب بن صران الغفاري. 139 - كردوس بن هانئ. 140 - لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، توفي بالكوفة لما نزلها معاوية سنة 41 ه‍ لمصالحة الامام الحسن عليه السلام. 141 - مالك بن ربيعة، أبو مريم السلولي، شهد بيعة الشجرة مع النبي صلى الله عليه واله. 142 - مالك بن عامر. 143 - مالك بن عبد الله الخزاعي. 144 - مالك بن عمير، أبو صفوان. 145 - مالك بن عوف بن نظلة بن خديج. 146 - مجمع بن جارية بن عامر، قيل: إنه جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه واله، توفي زمن معاوية. 147 - محمد بن صفوان. 148 - محمد بن صيفي بن سهل بن الحرث. 149 - مخنف بن سليم بن الحارث بن عوف الازدي، جد لوط بن يحيى، والمشهور بكنيته: أبو مخنف، صاحب المقتل المعروف، ومخنف بن سليم من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. 150 - مرداس بن مالك الاسدي.
---
[53]

(1/47)

151 - مرة بن شرحبيل. 152 - المستورد بن شداد بن عمرو الفهري، توفي بالاسكندرية سنة 45 ه‍ 153 - مسروق بن الاجدع. 154 - المسور بن يزيد الاسدي الكاهلي. 155 - معقل بن سنان الاشجعي، قتل يوم الحرة صبرا سنة 63 ه‍. 156 - معقل بن مقرن، أبو عبد الله. 157 - معن بن يزيد بن الاخنس بن حبيب، واستشهد مع أبيه في مرج راهط سنة 54 ه‍. 158 - المغيرة بن شعبة، شهد صلح الحديبية، ونزل الكوفة وتوفي بها سنة 50 ه‍. 159 - نافع بن عتبة بن أبي وقاص، عمه سعد بن أبي وقاص. 160 - نبيط بن شريط الاشجعي، من قيس عيلان. 161 - النعمان بن بشير بن سعد الخزرجي، أبو عبد الله، كان عاملا لمعاوية على الكوفة قبل عبيدالله بن زياد. 162 - النعمان بن عمرو بن مقرن، شهد الخندق، واستشهد في وقعة نهاوند سنة 21 ه‍. 163 - نقادة بن عبد الله بن خلف الاسدي، أبو بهية. 164 - نمير الخزاعي، أبو مالك. 165 - نوفل بن فروة الاشجعي. 166 - الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان لامه، ولي إمارة الكوفة من
---
[54]

(1/48)

قبله، وهو الذي نزلت فيه الآية الكريمة: " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا... " (1)، وقد شرب الخمر حتى ثمل ثم جاء وصلى بالناس فريضة الصبح أربع ركعات،... وقد عزله عثمان وما كاد يفعل. 167 - وائل بن حجر الحضرمي، توفي زمن معاوية. 168 - وصيلة بن زفر. 169 - وهب بن خنش الطائي. 170 - وهب بن عبد الله، أبو جحيفة السوائي، توفي بالكوفة سنة 74 ه‍ 171 - هاني بن أوس الاسلمي، توفي زمن معاوية بالكوفة. 172 - هاني بن يزيد بن نهليك بن دريد الحارثي، أبو الحكم. 173 - همام بن الحارث. 174 - المهلب بن يزيد بن عدي الطائي. 175 - يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفي المذحجي، أبو سبرة، توفي سنة 100 ه‍. 176 - يزيد بن معاوية النخعي. 177 - يزيد بن نعامة، أبو مودود الضبي (2). هذه جملة من الصحابة الذين نزلوا الكوفة: إما فاتحين، وإما امراء، أو قضاة، أو عمال للخليفة، وإما سكنوها لطيب هوائها، وعذوبة مائها، ووفرة خيراتها، والبعض نزلها لما حل فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خليفة، وهكذا من
---
(1)
الحجرات: 6. (2) للاطلاع انظر تاريخ الطبري، تاريخ ابن الاثير، رجال الطوسي، رجال النجاشي، رجال الكشي، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، تاريخ الكوفة للبراقي، الاصابة في تمييز الصحابة، رجال البرقي.
---
[55]

(1/49)

بعده الامام الحسن عليه السلام. وقد أحصت كتب التاريخ أن الصحابة الذين نزلوا العراق وشاركوا أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه وغزواته ضد معاوية أو ضد الخوارج قد ناهزوا ثلاثة آلاف رجلا. قال الطبري: " وكان ممن شهد صفين مع علي من اصحاب بدر سبعة وثمانون رجلا: منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الانصار، وشهد معه من الانصار ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والانصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله تسعمائة، وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفين و ثمانمائة " (1). ولا يخفى أن بعض من ذكرنا من الصحابة ساءت عاقبته، فاستحب العمى على الهدى، وزلت قدمه لما اعتزل أمير المؤمنين، بل أن لفيفا منهم ركن إلى معاوية، أو كان عينا له في حكومة أمير المؤمنين ; كالاشعث وآخرين، إذ كانوا يتربصون الدوائر بالامام أمير المؤمنين، ويكيدوا له الدسائس، ويحيكوا ضده الفتن، بل كان شأنهم خلق المتاعب والمصاعب وإظهار البلبلة والهرج. أما البيوتات الطالبية والعلوية التي نزلت الكوفة فهم كثيرون جدا، قد لا يحصيها عدد، لكن أبرزها هي: بيوت منتسبة إلى أولاد عقيل بن أبي طالب. بيوت منتسبة إلى أولاد جعفر بن أبي طالب. بيوت تنتهي في النسب إلى زيد بن الحسن بن علي عليهما السلام. بيوت تنتهي في النسب إلى زيد الشهيد، ابن الامام زين العابدين عليه السلام.
---
(1)
تاريخ الطبري: 2 / 352.
---
[56]

(1/50)

بيوت تنتهي في النسب إلى الحسين الاصغر، ابن الامام زين العابدين عليه السلام. بيوت تنتهي في النسب إلى عبد الله الاشتر بن محمد ذي النفس الزكية. بيوت تنتهي في النسب إلى إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى. بيوت تنتهي في النسب إلى الحسن الافطس بن علي الاصغر ابن الامام زين العابدين عليه السلام. بيوت تنتهي في النسب إلى محمد بن الحنفية، ابن الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام. بيوت تنتهي في النسب إلى عبيدالله بن العباس ابن أمير المؤمنين عليه السلام. بيوت تنتهي في النسب إلى العباس ابن الامام الكاظم عليه السلام. السبيعيون، وهم من أعيان العلويين، كانوا يسكنون في محلة السبيعية بالكوفة. بيوت تنتهي في النسب إلى الحسين - المعروف بذي الدمعة - بن زيد الشهيد. وهناك بيوتات طالبية وعلوية اخرى كثيرة، كبني الصوفي، وبني الصياد، وبني الفوارس والمخائطة، وبني الايسر، وبني الاشتر، وبني الصابوني، وبني طويل الباع،...،...، ولكل فرع أو بطن من هذه التي ذكرناها مئات البيوت والاسر، وإن كتب الانساب والمشجرات قد ذكرت جملة منهم (1)، وإن أحصينا السلف منهم لكان عدادهم مئات الالوف، وأما اليوم فإن عددهم يربو على مائة مليون في شرق الارض وغربها، تقاذفتهم أيدي الزمان وجور السلطان، ألا لعنة الله على القوم الظالمين الذين أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره المشركون،
---
(1)
انظر " تاريخ الكوفة "، للسيد حسين بن السيد أحمد البراقي 1261 - 1332 ه‍، فقد استفدنا منه في حديثنا عن الكوفة، ط النجف 1356 ه‍.
---
[57]

(1/51)

وصدق الله وعده حيث قال تعالى مخاطبا نبيه: " إنا أعطيناك الكوثر " أي الذرية الطيبة من ولد علي وفاطمة عليهما السلام (1). هكذا أصبحت الكوفة مرتعا للصحابة والتابعين، وأهل البيت بالخصوص، والعلماء منهم والفقهاء والمحدثين والنحاة والشعراء والادباء، فهي بالاضافة إلى كونها مركزا سياسيا وعسكريا بحكم انتقال عاصمة الدولة الاسلامية إليها، فهي أيضا تعد مركزا مهما من مراكز العلم والعلماء والتشيع طيلة الحكم الاموي والعباسي حتى القرون الوسطى، لكن نشاطها العلمي يرز جليا في القرن الاول والثاني والثالث الهجري، وبالخصوص فترة إمامة الصادق عليه السلام، وأن مسجد الكوفة كان يعج بالعلماء والفقهاء والمحدثين، كلهم يقول: حدثني جعفر بن محمد عليهما السلام، وأن كتب السيرة والتراجم قد أحصت من تلامذة الامام الصادق عليه السلام الثقات والرواة عنه، على - اختلافهم في المقالات والاتجاهات - أربعة آلاف رجل (2). وقال الحسن بن علي البجلي المعروف بالوشاء: " إني أدركت في هذا المسجد - مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ، كل يقول: حدثني جعفر بن محمد عليهما السلام " (3). وقد أفرد أبو العباس أحمد بن عقدة كتابا في الاخذين عن الامام الصادق عليه السلام سماه: " كتاب رجال من روى عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ". كما أحصاهم شيخ الطائفة الطوسي - قدس سره - في رجاله، في باب أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام. وقد صنف هؤلاء من أحاديث الشيعة المروية عنه عليه السلام أربعمائة كتاب،
---
(1)
انظر مجمع البيان: ج 10 ص 548، تفسير سورة الكوثر، آية 1. (2) انظر " إعلام الورى باعلام الهدى " للطبرسي من أعلام ق 6 ه‍: ص 284، ط 3 دار الكتب الاسلامية. (3) تاريخ الكوفة: ص 408.
---
[58]

(1/52)

تسمى بالاصول الاربعمائة، وهي الاساس لكتب الحديث الاربعة المعروفة عند الامامية: " الكافي " للكليني، و " من لا يحضره الفقيه " للشيخ الصدوق، وكتابي " التهذيب " و " الاستبصار " لشيخ الطائفة الطوسي. أما أبرز الاسر العلمية التي سكنت الكوفة - وكان لها دور في نشر التشيع، انطلاقا من الكوفة إلى بقية المدن والامصار - هم الاسر التي كانت تنحدر من أصل حجازي أو يماني، أو الذين كانوا موالي لاهل البيت عليهم السلام، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: آل أبي أراكه، وأراكه اسمه ميمون مولى كندة البجلي، وأحفاده كانوا من أصحاب الامام الباقر والصادق عليهما السلام، وهم من البيوت الشيعية المعروفة في الكوفة، ورجالهم ثقات، ذكرهم الطوسي في رجاله، والبرقي والنجاشي في كتبهم الرجالية. آل أبي الجهم ; ينتهي نسبهم الى قابوس بن النعمان بن المنذر، وأحفاده من أعيان الشيعة بالكوفة، وممن رووا عن الائمة عليهم السلام. آل أبي الجعد، ذكر جملة من أعيانهم ابن حجر العسقلاني في كتاب " التقريب "، وأبو الجعد اسمه رافع الاشجعي، وأولاده من أصحاب الامام أمير المؤمنين، وأحفاد أولاده من أصحاب الامام الباقر عليه السلام، منهم: رافع بن سلمة بن زياد. آل أبي سارة، بيت معروف بالكوفة، ومن الشيعة الذين يشار إليهم بالبنان ; لفضلهم وأدبهم، من أولاد أبي سارة: الحسن ومسلم، رووا عن الامام الباقر والصادق عليهما السلام، وهكذا أبناؤهم. آل أبي رافع، رافع كان مولى رسول الله صلى الله عليه واله، فله صحبة معه، ثم كان من
---
[59]

(1/53)

أصحاب أمير المؤمنين وخازن بيت ماله، وقد شهد الجمل وصفين والنهروان، وولداه: عبد الله وعلي، كانا من المقربين عند أمير المؤمنين عليه السلام، وممن خصوا له بالكتابة، وقد ذكرنا تفصيل ترجمتهم في كتابنا " علم الرجال " فراجع. آل أبي شعبة الحلبيون، من البيوت الرفيعة بالكوفة، وكان أبو شعبة جدهم من أصحاب الامام الحسن والامام الحسين عليهما السلام، وأحفاده وهم: عبيدالله، ومحمد، وعمران، وعبد الاعلى، أبناء علي كلهم من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، وعبيدالله وإخوانه كانوا يمتهنون التجارة بين حلب والعراق، لذا سموا بالحلبيين. آل أعين، لقد ذكر السيد الابطحي أسماء هذه الاسرة وأبنائهم وأحفادهم وصحبتهم للائمة الاطهار في كتابه " آل زرارة "، وأعين له من الاولاد: حمران، وزرارة، وعبد الملك، وبكير، وكلهم من وجوه الشيعة وأعيان الكوفة، ومن الاسر العلمية المبرزة، لهم سابقية فضل وأدب، الاوائل منهم كانوا من أصحاب الامام السجاد والباقر والصادق وذراريهم، ساروا في خط أهل البيت، وصحبوا الائمة عليهم السلام، وكانوا من أبرز الخواص والمقربين لهم، حتى أدركوا الغيبة، وقد كثر عددهم وذاع صيتهم. بنو تغلب الصيرفي، وهم ينتسبون إلى حيان الصيرفي، والصرافة مهنة كانت له يمارسها في الكوفة، وأحفاده من كبار الشيعة، فإسحاق بن عمار بن حيان وإخوانه: إسماعيل، وقيس، ويوسف، ويونس، وأبنائهم ممن رووا الحديث عن الائمة الاطهار عليهم السلام، وبالخصوص عن الامام الصادق عليه السلام، وقد ذكرهم النجاشي، والطوسي، وغيرهم. بنو دراج، جميل بن دراج ونوح وأخوه، من كبار الشيعة، وثقاتهم، وممن رووا عن الائمة عليهم السلام، ولهم شأن كبير في رواية الحديث، ونوح بن دراج كان
---
[60]

(1/54)

قاضيا بالكوفة، أما جميل فيعد من أصحاب الاجماع، وأخبار بني دراج مشهورة ومسطورة في كتب التراجم. بنو رباط، وهم: عبد الله، والحسن، وإسحاق، ويونس، أولاد رباط البجلي الكوفي، وأبناؤهم أيضا معروفون، من كبار الشيعة، ولهم تصانيف عديدة، ذكر منها الطوسي في " الفهرست "، وعد الشيخ جملة من رجالهم في كتابه، وبعضهم روى عن الامام الصادق عليه السلام، فلا يعدو القول من أنهم من حملة الحديث والفقه. بنو إلياس البجلي، منهم: عمرو بن إلياس، من أصحاب الامام الباقر والصادق عليهما السلام، وإلياس بن عمرو من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، وله كتاب، وأولادهم ممن أخذوا الحديث عن الصادق عليه السلام، وتفقهوا على يديه، وحازوا قصب السبق في زمانهم. بنو عبد ربة بن أبي ميمون بن يسار الاسدي، وهم من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، ذكر الكشي جملة منهم، وكذلك النجاشي، والشيخ الطوسي في " الفهرست "، وقد عد النجاشي بعضا منهم في أصحاب الامام الباقر عليه السلام. هذه بعض الاسر التي اشتهرت بالكوفة، فهي وأبناؤها كانت من حملة الحديث وروايته، كما أن الكثير منهم له مصنفات وكتب واصول معتمد عليها عند الطائفة، بل أن المحدثين الثلاث اعتمدوا على اصولهم وكتبهم، وقد تركنا التفصيل خوف الاطالة، كما أعرضنا كشحا عن استيعاب كل الاسر، إذ تركنا الاسر إلى مناسبة اخرى. هكذا شاءت الارادة الالهية أن تكون الكوفة بؤرة الاشعاع الديني والفكري لبقية البلدان والامصار، إلى أن خربتها أيدي الظلمة من حكام بني امية والعباسيين، سعيا منهم لاطفاء نور الله الذي تمثل في بيوت الائمة الاطهار والعترة الطيبة من أهل
---
[61]

(1/55)

البيت عليهم السلام، فلاحقوا ولد علي وفاطمة بالقتل والسم والسجن والتشريد، وما سلم منهم حتى الطفل الرضيع. (ثالثا) قم المقدسة: من المراكز العلمية للشيعة، مدينة قم، وقد لعبت دورا كبيرا في الماضي والحاضر، ولها شأن متميز من بين المدن الاسلامية. كيف مصرت قم ؟ سار أبو موسى الاشعري بجيش البصرة ممدا النعمان بن مقرن لفتح نهاوند، وما سبذان، وبعدها سار إلى الاهواز، ثم عاد إلى قم ففتحها واستقر بها (1)، ومنها بعث الاحنف بن قيس لفتح " كاشان "، وذلك زمن عمر بن الخطاب، وقد ساعد أبو موسى الاشعري والاحنف في فتح هذه البلاد الجيش الذي وجهه عمر بقيادة عبد الله بن بديل، فوافاهما بجيشه واشترك الجميع في التوجه إلى إصبهان ففتحوها. قم بلدة قديمة، ولها عدة محلات، وقد فتحت عنوة وإن كان بعض المؤرخين يقول: إنها فتحت مصالحة بدون حرب (2). وحدودها تقع 40 فرسخا في 40 فرسخا، وقد ذكر البرقي كما ينقله المؤرخ الحسن بن محمد القمي في كتابه " تاريخ قم ": إن حدها الاول: همدان إلى ميلاذجرد والتي تسمى ساوة، والحد الثاني: من ري إلى جوسق داود ابن عمران الاشعري الذي يبعد بفرسخين من دير كرج، والحد الثالث: من ناحية فراهان وهي كرج
---
(1)
فتوح البلدان للبلاذري أبو الحسن، ت 279: ص 308، م السعادة - مصر 1959 م. (2) تاريخ قم للحسن بن محمد بن الحسن القمي ت 378، مترجم إلى الفارسية سنة 805 ه‍.
---
[62]

(1/56)

اليوم، والحد الرابع: من طرف إصفهان إلى الوادي وسط قرية درام وجرقام، ووسط قرية راوندست (1). ولما كانت الفتن الحاصلة في العراق والكوفة بالذات تتوالى، وأن ضحيتها هم الشيعة، كما أن الحكام وظلمهم لاهل البيت لم ينفك طيلة الحكم الاموي، بل أن ملاحقة محبيهم وشيعتهم كان ديدنهم، فقد كثرت الوقائع والمحن على أبناء علي وفاطمة وأتباعهم. إن مسلسل الاحداث بدأ بمقتل أمير المؤمنين عليه السلام، ثم الحسن عليه السلام، ثم واقعة كربلاء ومقتل الامام الحسين عليه السلام، وبعدها أخذت الكوفة تتلقى الصدمات العنيفة من ولاتها وامرائها، وأبرز صورة عنف شهدتها الكوفة هي أيام الحجاج بن يوسف الثفقي الذي أهلك العباد، وخرب البلاد، وأحرق الحرث والنسل، فظلمه وجوره وتعسفه في الحكم وغطرسته بلغت إلى حد أن يهرب الناس من لظى جوره وفجوره، فالقتل والتشريد والحبس والتعذيب والممارسات اللاخلقية كلها سمات بارزة في سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي، فحياته صفحة سوداء ملطخة بدماء الابرياء من آل البيت عليهم السلام، وعار في جبين التاريخ، وقد أمر مناديه في الكوفة: أن برأت الذمة من آل سائب أو مالك بن عامر الاشعري، وأن دمهم مهدور، مما أجبر الاشعري على ترك الكوفة والهجرة إلى إيران حتى وصلوا إلى نهاوند ودينور (2). وفي زمنه أيضا هرب عبد الله، والاحوص، ابنا سعد بن مالك بن الاحوص الاشعري إلى قم، وكانت الخلافة الاموية آنذاك لعبد الملك بن مروان (3).
---
(1)
المصدر السابق: ص 26. (2) گنجينة آثار قم لعباس فيض: ص 138، ط 1. 1349، مطبعة مهراستور - قم. (3) مجئ عبد الملك إلى الخلافة كان في شهر رمضان من عام 65 ه‍، وحكم 21 سنة، وكان
---
[63]
أما سبب خروج الاحوص فإنه كان من أتباع المختار الثقفي (1) الذي خرج
---

(1/57)

الحجاج واليا على العراق من قبل عبد الملك بن مروان وابنه الوليد بن عبد الملك، وابتدأت إمرته عام 75 واستمر الى عام 95، أي كانت إمارته 20 عاما. (1) لقد اشتبه بعض المؤلفين لما نسب الاحوص الى اتباع زيد الشهيد، لان هجرة الاشعريين من الكوفة كانت زمن الحجاج بن يوسف الثقفي، والذي كان واليا على العراق منذ عام 75 ه‍ الى عام 95 ه‍، بمعنى استمرت إمارته من حكومة عبد الملك بن مروان (65 - 86) إلى حكومة الوليد بن عبد الملك (86 - 96)، ثم جاء من بعد الوليد أخوه سليمان بن عبد الملك فحكم من (96 - 99)، وبعده جاء عمر بن عبد العزيز وكانت حكومته (99 - 101)، ثم جاء بعده يزيد ابن عبد الملك وحكم (101 - 105)، ثم جاء هشام بن عبد الملك فحكم (105 - 125). وكتب التاريخ وأرباب المقاتل تذكر أن ولادة زيد بن علي الشهيد كانت عام 80 ه‍، والبعض يذكر عام 75 ه‍، وأما شهادته فلا اختلاف في كونها زمن هشام بن عبد الملك، إلا أنهم اختلفوا في كونها سنة 120 أم سنة 122، فيوم استشهد زيد - رضوان الله عليه - كان عمره 42 سنة، وعلى بعض الروايات أن عمره الشريف 47 سنة. فمن الانسب والمعقول أن يكون الاحوص وعبد الله من أولاد سعد بن مالك، وأنهما كانا من أتباع المختار، ولما انتهت حكومة المختار باستشهاده بالكوفة، ودخول مصعب بن الزبير سنة (67)، ثم بعد ذلك آلت الامور أن يدخلها الحجاج بن يوسف الثقفي واليا سنة (75)، وجد نفسه مدينا للامويين الذين أسندوا له إمارة الكوفة، لذا أخذ يتتبع أنصار المختار فينتقم منهم، ومن كان في جنده، أو من أتباعه الذين ثأروا لدماء أهل البيت عليهم السلام بعد استشهاد الحسين عليه السلام في كربلاء. فلو سلمنا أن الاحوص كان من أنصار المختار وأعوانه، ثم ولاءه للمختار وأهل البيت عليهم السلام قاده إلى أن يمكث في سجن الحجاج بن يوسف الثقفي أربع سنوات، وبعدها خرج من السجن بعدما عفا عنه الحجاج، فكل ذلك يؤدي بنا أن نرجح تاريخ

(1/58)

هجرة الاشعرين إلى قم حدود عام 90 ه‍ أو ما بعدها بسنة واحدة أو سنتين، وغاية ما يقال: إنهم دخلوا قم سنة 93 ه‍، فأين الاحوص من اشتراكه مع ثورة زيد التي كانت عام 122 ه‍ زمن هشام بن عبد الملك ؟ ! وللاحوص إخوة، هم: عبد الله، وعبد الرحمان، وبكر، ونعيم، ويستفاد من ترجمة المامقاني لعبدالله، أن سعدا والدهم هو أول من سكن قم، وقد ترحم عليهم الامام الصادق عليه السلام. قال في التنقيح: عبد الله بن سعد بن مالك الاشعري، يظهر من ترجمة ابنيه عمران وعيسى، (*)
---
[64]
بالكوفة على الحكم الاموي، وهو صاحب لوائه وقائده العام على جبشه، ولما استشهد المختار في الكوفة القي القبض على الاحوص من قبل الحجاج لما جاءها واليا، ومكث في السجن مدة طويلة. وكان للحجاج يومان: أحدهما السعد، والآخر النحس - كما قيل -،
---

(1/59)

جلالته، اما في عمران فإن أبا عبد الله عليه السلام حيث قربه وسأله عن حاله وحال ولده وأهله وبني عمه وأهل بيته، وسئل عليه السلام عنه، من هذا ؟ قال الامام الصادق عليه السلام: " هذا نجيب من قوم نجباء، ما نصب لهم جبار إلا قصمه الله "، وفي خبر آخر: " هذا من أهل البيت النجباء، يعني أهل قم ما أرادهم جبار من الجبابرة إلا قصمه الله تعالى ". وأما في عيسى فقول علي بن أحمد العقيقي في ترجمة عيسى أنه يشبه أباه، وكان وجها عند أبي عبد الله عليه السلام مختصا به، وفي مقدمة " الجامع " للحارثي العاملي - من علمائنا - أن عبد الله هذا من أولاد الاحوص، والمنسوبون إلى عبد الله هذا كثيرون، وأكثرهم صلحاء، لهم خدمة واتصال، وأول من سكن بقم منهم أبوه سعد بن مالك بن الاحوص بن السائب بن مالك بن عامر، وكان السائب وفد الى النبي صلى الله عليه وآله، وهاجر إلى الكوفة وأقام بها. تنقيح المقال: 2 / 184. من هذا نستنتج: أولا: أن الاحوص الذي كان في سجن الحجاج هو من أحفاد الاحوص بن السائب بن مالك. ثانيا: لا منافاة من كون سعد - والد الاحوص وعبد الله - قد سكن قم قبل ولديه بفترة وإن كانت وجيزة، بل قل: إن أول قافلة اتجهت إلى قم هي قافلة سعد، ثم تبعتها قوافل الاشعريين التي من ضمنها ركب الاحوص وعبد الله. ثالثا: ولو قلنا - على ما في القول من ضعف -: إن الاحوص هذا قد دخل الكوفة ثانية، واشترك مع زيد الشهيد في ثورته، لكن لابد من رفض الرواية القائلة بأن الحجاج حبس الاحوص بسبب اشتراكه في ثورة زيد، لما عرفت من أن الفاصل الزمني بين ثورة زيد الشهيد ووفاة الحجاج عام (95 ه‍) فاصل كبير، ثم إن زيد كانت ولادته - كما تقدم في أحد الروايات - عام (75 ه‍)، بغض النظر عن الروايات القائلة: إنه ولد في عام (80 ه‍)، فلم يحدثنا التاريخ أن زيدا كانت ثورته زمن الوليد بن عبد الملك، ولا أن الحجاج كان له دور في إخماد تلك الثورة أو ملاحقة أنصاره...

(1/60)

والخلاصة: نفهم أن الحجاج حبس الاحوص، ولاحق الاشعريين، لكونهم من أتباع أهل البيت عليهم السلام، ولاشتراك بعضهم في ثورة التوابين وثورة المختار.
---
[65]
فمن جاءه يوم السعد فأي طلب يتقدم به للحجاج يقضي له، وإن جاءه الطلب يوم النحس فيؤدي بحياة صاحبه، وقد اتفق أن عبد الله بن سعد أخا الاحوص قد زار الحجاج وهو في يوم سعده، فتجاهل أمر الاحوص وخروجه مع زيد بن علي عليه السلام، ولما دار الحديث بين الحجاج وعبد الله أنكر أمر أخيه، وأخذ يتلطف إليه ويطلب منه إطلاق سراح أخيه الاحوص، وفعلا استجاب الحجاج له وأطلقه من حبسه. بعد هذا أجمع الاخوان عبد الله وسعد على الخروج من الكوفة خوفا من بطش الحجاج بهما، وفعلا تهيأ الاحوص مع أخويه عبد الرحمان ونعيم للخروج من الكوفة خلسة، وقد حملوا معهم نساءهم وذراريهم وخدمهم، وكانوا عدة كبيرة، حتى قيل: إن أولاد عبد الرحمان بن مالك كانوا أربعين ولدا، وتخلف عنهم عبد الله، كي ينجز الاعمال التي تعهدها لهم من بيع الاراضي والمزارع وما لديهم من ممتلكات، ثم يلحق بهم. الركب الذي تقدم به الاحوص عندما وصل إلى البصرة نزل عند ماء هناك، وإذا بوباء يصيب القوم فيؤدي بحياة أبنائهم، وتصيبهم هذه النكبة قبل أن يحالفهم الحظ في الخلاص من الطاغوت والنجاة منه، ثم يصل الاحوص مع من نجا منهم إلى قرية (ابرشتجان) من نواحي قم، فينزل عند عين ماء وزرع، ويضرب اطنابه هناك، فيقيم بها عدة أيام خلالها تمتد إليه يد الاحسان بواسطة (خربنداد) المتولي للعين وحارسها. خربنداد اطلع على أحوال الاحوص والقوم من خلال شخص اسمه الحباب الازدي كان مع الاحوص يجيد اللغتين العربية والفارسية، وكان حلقة وصل بين القوم والاعاجم في تلك الارض. والحباب باللغة الفارسية تعني: خوشنما، وكلا اللفظين - العربية والفارسية -
---
[66]

(1/61)

تعطي معنى الخير والاحسان والجميل، لهذا تفاءل خربنداد ورحب بنزول القوم، ورفع ذكرهم ومقامهم العالي وعزتهم إلى كبير العجم في المنطقة (يزدانفاذار)، وهكذا الاخير يكرمه أشد الاكرام، ويدعوه إلى منزله، ويقيم له مأدبة تكريما له، ثم يتفق أن غزاة من الديلم يصلون (ابرشتجان)، فينظرون إلى الخيام المضروبة الكثيرة العدد، وإلى الخيل والدواب والابل، مما يفرحون بها لكونها ستنقلب إليهم بالغزو والنهب، فما أحلاها ! إنها غنائم جاهزة، كما كانوا يعتقدونه، ولما وقع الهجوم ودارت المعركة رحاها، وانتصر بها الاحوص، ودفع شر اولئك عن هذه الارض، قامت له المدائح، وكثر عليه الثناء من خربنداد ويزدانفاذار وكبار العجم في (ابرشتجان)، وبهذا يحتل الاحوص وقومه موقعا كبيرا عند الاعاجم في المنطقة، ويحترم غاية الاحترام، ويعزز، ويكرم، ويكون في منعة وأمان. هكذا تمر الايام والاحوص يزداد محبة في قلوب القوم، حتى أنهم كتبوا عهدا وميثاقا فيما بينهم لحفظ أموال وممتلكات الطرفين، والجانبان يعيشون حياة الاخوة، كما أن للنازحين حق الجيرة، لهذا تعززت بينهم الروابط والعلائق، وأصبحت بينهم مصاهرة ومودة وان يدافع كل طرف عن الطرف الثاني، فيما لو هاجمهم عدو...، وقد وقع الطرفان هذا الميثاق واحتفظوا به. أما الحجاج بن يوسف الثقفي، فقد أخذ يلاحق الاشعريين حتى تمكن من قتل محمد بن سائب بن مالك الاشعري، وقد جلى أبناءه من الكوفة وكل من ينتمي إليهم، وهؤلاء اضطروا إلى ترك العراق والنزوح إلى قم. قبيل أن يصل أولاد محمد بن سائب بن مالك إلى قم حدث أن أولاد (خربنداد)، و (يزدانفاذار)، والجيل الذي جاء بعدهم، قد نقضوا العهد والميثاق الذي كتبه آباؤهم وكبار المنطقة، وأجبروا الاشعريين بالخروج، لكن استطاع
---
[67]

(1/62)

الاحوص، وأخوه عبد الله أن يتغلبوا على هذه الفتنة، ويقهروا اولئك الذين نقضوا العهد، ويخيبوا أملهم (1). وقد تعززت قوتهم بمجئ أبناء عمهم، وهم: أولاد محمد بن سائب، وأولاد سعد الآخرون. بعد هذا كثر الاشعريون في قم ونواحيها، فملك أبو بكر ناحية فراهان (2)، وابنه حماد ملك ساوة (3)، وعمران استقر ملكه في طبرس (4) وآدم كانت حصته قاشان (5) وهكذا آباؤهم ملكوا جهرود (6)، وكوزدر (7)، ووزواة، وغيرها من النواحي والضياع. قم، هكذا نزلها العرب الاشعريون، وكلهم من شيعة أهل البيت عليهم السلام، لكن لا يخفى أن غير الاشعريين أيضا نزل قم، وبالخصوص العوائل الطالبية العلوية، وهم من نسل علي وفاطمة، وقد ذكر المؤرخ الحسن بن محمد القمي
---
(1)
انظر تفصيل هذه الخيانة من قبل الاعاجم، وما جرى للاشعريين كتاب " تاريخ قم " للحسن ابن محمد القمي: ص 253 - 258. (2) فراهان، وبعضهم يقول: فرهان: ملاحة في رستاق همذان، وهي بحيرة تكون اربعة فراسخ في مثلها، انظر معجم البلدان: ج 3 ص 887. (3) تقع بين بلاد الري وقم وهمذان، فمكانها الوسط من هذه البلدان، وبقرب ساوة مدينة يقال لها: آوه، وبينهما فرسخين. انظر معجم البلدان: ج 3 ص 24. (4) تقع بالقرب من آشتيان، بينهما فاصلة 23 كم، وكانت تعد سابقا من خواص قم، واليوم تسمى " تفرش "، على بعد 80 كم تقريبا من قم. (5) تذكر مع قم وتبعد عنها باثني عشر فرسخا، وبين قاشان وإصبهان ثلاث مراحل. انظر معجم البلدان: ج 4 ص 15. (6) في لغت نامه دهخدا: جهرود يكى از قصبات شهر قم كه مشتمل بر 37 ديه ومزرعه است، بيب بن جودرز " گودرز " آن را بنا كرده، وآن را " ويرود " نام كرده است. بعد از مدتي " كه رود " گفتند، وپس از آن معرب گردانيدند وگفتند " جهرود " ج 17 ص 179. (7) يحتمل هي كودرز، قرية من قرى فرمهين من توابع اراك شمالا، وقرية اخرى تحمل نفس الاسم تقع جنوبها.
---
[68]

(1/63)

في " تاريخ قم، جملة من البيوت الطالبية، وقد فصل هناك، ونحن لا نعدم الفائدة من أن نذكر بعضهم: أول من نزل قم من الطالبيين هم الحسنيون، منهم: أبو هاشم محمد ابن علي ابن عبيدالله، ينتهي نسبه إلى الحسن المثنى ابن الامام الحسن السبط عليه السلام وأعقاب أبي هاشم منتشرون في قم، وكاشان، وخراسان، وطبرستان، وأماكن اخرى من إيران. وأما من نزل قم من السادة الحسينيين فهم: (1) أبو الحسن، الحسين بن الحسين بن جعفر بن محمد بن إسماعيل ابن الامام جعفر الصادق عليه السلام. وأحفاد الحسين أيضا لهم عقب سكنوا قم وغيرها من البلدان من فارس، وقصة أحدهم مع أحمد بن إسحاق الاشعري معروفة، وامتناع الامام الحسن العسكري عليه السلام من زيارة أحمد له في سر من رأى. (2) وممن نزل قم: فاطمة بنت الامام موسى بن جعفر، وشقيقة الامام الرضا عليهما السلام، تشرفت مدينة قم بها سنة 201 ه‍، وكانت عليها السلام عازمة على اللحوق بأخيها في خراسان، وقد حلت في منزل موسى ابن خزرج بن سعد الاشعري مع كامل الحفاوة والتقدير والاحترام، إلا انها لم تقم الا أياما معدودة حتى وافاها الاجل، ودفنت في المشهد المعروف اليوم، لها قبة ومزار يأمها الآلاف من الشيعة يوميا، وإلى جنب مرقدها قبور لذراري الأئمة ومواليهم. (3) وممن نزلها: أبو جعفر موسى بن محمد بن علي بن موسى الكاظم عليه السلام، وإليه تنسب عائلة المبرقع، وهو أول من نزح من الكوفة وسكن قم من أولاد الامام الرضا عليه السلام، وكان في سنة 256 ه‍، إلا أنه لم يستقر في قم بسبب بعض جهالها الذين أمروه بالخروج منها، فرحل إلى كاشان واستقبله هناك أحمد بن عبد العزيز
---
[69]

(1/64)

ابن دلف العجلي، فأكرمه وأنزله مقاما جميلا، وبعد ذلك فإن أهالي قم قد أصابهم الندم، وشعروا بالتقصير والتخاذل من فعلتهم القبيحة تلك، فجاءوا إلى كاشان نادمين أذلاء، معتذرين مما صدر من بعضهم، وأصروا على مجئ أبي جعفر موسى المبرقع إلى قم ثانية، فحملوه معززا مكرما إليها. (4) ومن السادات الموسوية التي نزلت قم: هم السادة العريضية، وينتهي نسبهم إلى عيسى بن محمد بن علي بن جعفر الصادق عليه السلام، ومن أولاده: الحسن بن عيسى، نزح من المدينة المنورة مع ابنه علي وقطنا قم، ولهم فيها أحفاد وذراري كثيرون. وبعض السادة العريضية نزحوا من الري إلى قم، منهم علي بن الحسين بن عيسى بن محمد بن جعفر عليه السلام، وأخوه الحسين بن علي الذي سكن مدة في الري ثم انتقل إلى قم أيضا. (5) ونزل قم: أبو الحسين أحمد بن القاسم بن أحمد بن علي بن جعفر الصادق عليه السلام. (6) ومن العريضية: الحسن بن علي بن جعفر بن عبد الله بن الحسن بن علي بن جعفر الصادق عليه السلام. (7) السادة الخمرية، الذي نزح جدهم خمر بن أحمد - أخو أبي جعفر محمد بن أحمد - من طبرستان إلى قم، ومنه أعقاب كثيرون لم يزل بعضهم فيها. (8) السادة الكوكبية، جدهم حمزة بن عبد الله بن الحسين الكوكبي، جاء من الري وسكن قم. (9) وممن نزح الى قم: علي بن محمد بن علي بن عمر بن الحسن الافطس بن علي، ومنه عقب كثير.
---
[70]

(1/65)

ولهذه الاسر - من ذرية الائمة - أحفاد منتشرون في كل البلاد الايرانية، والسادة اليوم ينتسبون إليهم، فإما حسنية، وإما حسينية. والسادة الحسينية بيوتاتهم واسرهم كثيرة، قد أحصتهم المشجرات وكتب الانساب. أما الشيعة الموالون لاهل البيت - من غير ما ذكرناهم من الاسر الهاشمية والعلوية والطالبية - فهم كثيرون، وكما عرفت في بداية البحث أن أبرز هذه الاسر والعوائل هم الاشعريون الذين ينتسبون إلى الاحوص وأخيه، ومن أبرز هذه الاسر: أبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك بن أحوص بن مالك الاشعري، من أولاد جماهر بن أشعر، وهو من كبار علماء الشيعة الامامية، والعارف بالرجال والتفسير والحديث والفقه، وممن حظي بلقاء الامام عليه السلام، كما له مقام حسن عند والي قم (1). وعمران بن عبد الله بن سعد بن مالك الاشعري، وهو من فقهاء أوائل القرن الرابع الهجري. ومن العلماء البارزين آنذاك، أبو القاسم سعد بن عبد الله بن أبي خلف الاشعري القمي، من أعيان الشيعة، وكان يعرف بشيخ الطائفة، لعلمه، وزهده، وورعه، وتقواه، ولما فيه من سمات الاولياء، وكان معاصرا للامام العسكري عليه السلام. وسعد بن عبد الله بن أبي خلف الاشعري، وروى عن عمران بن عبد الله بن سعد المتقدم. ومن العلماء المشهورين في قم من بين الفقهاء الامامية آنذاك: أبو جعفر محمد
---
(1)
روى عنه الشيخ الكليني بواسطة (العدة)، وقد أكثر الرواية عنه بتلك الواسطة، لجلالة قدره، ولكونه من الثقات البارزين من علمائنا في عصره. راجع الفصل السابع.
---
[71]

(1/66)

ابن أحمد بن يحيى بن عمران، وقد أكثر الشيخ الكليني الرواية عنه كما أن أبا جعفر روى عن محمد بن خالد البرقي المعاصر للامام عليه السلام. وهناك عشرات بل مئات العلماء الذين أحصتهم كتب التراجم والسيرة ممن سكن قم من شيعة أهل البيت، وروجوا مذهبهم، وذاع في الآفاق عن أحاديثهم الشئ الكثير، فكان لهم الفضل الكبير في انتشار مذهب الشيعة الاثني عشرية، كما أن لهم فضل كبير على سائر الناس في مختلف العلوم والفنون الادبية ما لا يخفى. هذه قم، التي أوجزنا الحديث عنها قديما، فهي أحد المراكز العلمية البارزة في القرن الثالث والرابع الهجري، وسيأتي الكلام عنها ثانية في كونها المركز العلمي الشيعي في العصر الحاضر إن شاء الله. (رابعا) بغداد: أغلب المدن تزدهر عندما تكون دارا للسلطنة ومركزا للخلافة، فالمدن التي نشأتها كذلك لابد أن يكون لها دور سياسي واقتصادي وعلمي، وذلك بحكم تواجد القيادة وحواشيها من الحكام والقضاة والعلماء والادباء وغيرهم. إن انتقال القيادة من مكة إلى المدينة في صدر الاسلام، وبعد ما هاجر إليها الرسول صلى الله عليه وآله، خلق جوا سياسيا ودينيا في المدينة المنورة لم يكن من قبل، إذ كانت المدينة قلعة المسلمين، وقد تحصن بها أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، حتى أصبح لها كيان سياسي متميز من بين المدن والامصار في العالم الاسلامي والعربي، حتى ازدهرت مدينة الرسول اقتصاديا ودينيا وفكريا بعدما حلها الرسول صلى الله عليه وآله والصحابة وأهل البيت الكرام. ولما بويع الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام نقل مركز خلافته من المدينة الى
---
[72]

(1/67)

الكوفة، وبهذا أفلت شمس الازدهار والعمران من المدينة المنورة لتنتقل إلى العاصمة الاسلامية الجديدة، ألا وهي الكوفة التي اختارها أمير المؤمنين، لكونها تقع وسط العراق، كما أنها تحتل الموقع الوسط بين الحجاز والشام من جهة، وتطل على المدائن وبلاد فارس من جهة ثانية، كما أن هناك اعتبارات سياسية اخرى حددها أمير المؤمنين قبل نزوله فيها. كانت الكوفة زمن أمير المؤمنين عليه السلام أكبر مدينة إسلامية شهدها العالم، وازدهرت فيها الحياة العلمية، والاقتصادية، والاجتماعية، بشكل واسع، وخير دليل على ذلك نزول كبار الصحابة فيها، فراجع ما تقدم. بعد هذا صار مركز الحكومة في الشام، وذلك لما عصى بها معاوية، وقد استتب له الامر أكثر لما قضى على كل مناوئيه، وبالخصوص الامام الحسن عليه السلام، فاصبحت دمشق الشام دار السلطنة للحكم الاموي طيلة ثمان عقود من الزمان، في خلالها ازدهرت الحياة المادية، وتنعم فيها القضاة، والادباء، والقواد، وشملها الترف المادي بشكل غريب، لكن لم يظهر عليها ترف فكري، أو علمي كما سبق للكوفة، بل أصبحت أموية الهوى، وتعادي أهل البيت عليهم السلام، حتى أن معاوية سن لاهل الشام سننا وبدعا كثيرة، منها: أنه عودهم على سب أمير المؤمنين عليه السلام لمدة نصف قرن من الزمان، حتى شب عليه الوليد وهرم عليه الكبير، واقتفى أثره من جاء بعده من الحكام الامويين. ثم جاءت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الاموية، وأنشأ المنصور الدوانيقي مدينة السلام بغداد، وجلب إليها الزهو والعمران، كما أنه اهتم بتخطيط بغداد وتنظيمها، وإنشاء الطرق والقنوات والمساجد والمدارس فيها، وقد صحب هذا الاهتمام انتقال طائفة من التابعين والعلماء والفقهاء إليها، كما حلها من قبل عدة
---
[73]

(1/68)

من الصحابة، إذ نزلوا في المدائن ومصروها، وبغداد في حدودها متاخمة للمدائن، وقد ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه خمسين صحابيا نزلوا في المدائن على عهد عمر ابن الخطاب لما دخلها الجند فاتحين لها، بقيادة سعد بن أبي وقاص، وقد ذكرنا أكثر من مائة وسبعين صحابيا - فيما تقدم - من الذين نزلوا الكوفة ومصروها، فقسم كبير من هؤلاء شاركوا سعد بن أبي وقاص في فتح المدائن. كيفما كان، فإن بغداد استقطبت العديد من العلماء، والفقهاء، ومن تابعي الصحابة، ومع ازدهار البلدة سياسيا فقد ازدهرت علميا، إذ دخلها التشيع منذ بدء تأسيسها، وأخذ ينمو بفضل البيوت والاسر الطالبية والعلوية التي نزلت بغداد، وكانت منطقة الكرخ خالصة للشيعة. وفي زمن الامام الصادق، والكاظم عليهما السلام انتشر مذهب أهل البيت في بغداد، وذلك لانشغال بني العباس بملاحقة بني امية، فأتاحت الفرصة للامام الصادق عليه السلام في بث أحاديثهم المروية عن جدهم صلى الله عليه وآله، وتصديه للتدريس، حتى التف حوله أكابر العلماء والفقهاء، بل وحتى مؤسس المذهب الحنفي، أبو حنيفة النعمان بن ثابت، قد درس عند الامام الصادق عليه السلام، وقد اعترف بذلك إمام الحنفية فقال: " لولا السنتان لهلك النعمان "، وهكذا أخذ عن الامام الصادق عليه السلام كل من مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأيوب السجستاني، ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب " المغازي "، وآخرون. وأخذ التشيع ينمو في بغداد بعد الامام الصادق عليه السلام نموا حثيثا، بالرغم من المعاناة التي كانت تلاقيها الشيعة من الحكام العباسيين، كالمنصور، والرشيد، والمأمون، والمتوكل، والاضطهاد الذي شملهم، والقتل والتشريد الذي لحق بهم، استمر طيلة العصر العباسي منذ نشوء الدولة وحتى سقوطها، عدا فترة آل بويه، و
---
[74]

(1/69)

آل سلجوق، ومع كل ذلك فإن نمو التشيع كمذهب وتيار عقائدي دخل إلى مركز السلطة العباسية بصورة أو باخرى، وقد وجد الحكام العباسيين الكفاءة والاخلاص عند بعض الشخصيات الشيعية، مما حدا بهم أن يستوزروهم، ويجعلونهم أصحاب إدارة ومقام سامي، فتصدر من قبلهم الاوامر والكتب، فقد استوزر مؤسس الدولة العباسية أبو العباس السفاح: أبا سلمى الخلال الكوفي الشيعي، وهو من دعاة أهل البيت عليهم السلام. واستوزر المنصور الدوانيقي: محمد بن الاشعث الخزاعي. واستوزر المهدي: أبا عبد الله يعقوب بن داود. واستوزر الرشيد: علي بن يقطين، وجعفر بن الاشعث الخزاعي. واستوزر المأمون: الفضل بن سهل ذا الرياستين، وأخاه الحسن بن سهل. واستوزر المعتز والمهدي: أبا الفضل جعفر بن محمد الاسكافي. واستوزر المقتدي: أبا شجاع ظهير الدين محمد بن الحسين الهمداني. واستوزر المستظهر: أبا المعالي هبة الدين بن محمد بن المطلب. واستوزر الناصر والظاهر والمستنصر: مؤيد الدين محمد بن عبد الكريم القمي المقدادي. واستوزر المستعصم: أبا طالب محمد بن أحمد العلقمي. اقول: لهذه الوزارات الاثر الكبير في إدامة خط أهل البيت عليهم السلام. ولو استعرضنا الايام التي مرت على الشيعة في بغداد لوجدناها بين مد وجزر، إلا أن فترة الغيبة الصغرى وما بعدها كانت فترة خصبة لان يمتد التشيع إلى أطراف عديدة من بغداد المنصور. ربما كان السبب واضحا - وقد عرفت بعض الشئ - إذ كان رواة أحاديث
---
[75]

(1/70)

أهل البيت الثقات قد سكنوا بغداد، وبنوا فيها الدور والمساجد، وعقدوا حلقات الدرس، وتداولوا القرآن. وما نزل فيه بحق أهل البيت عليهم السلام، وتدارسوا الحديث، حتى برز من بينهم فقهاء كبار للشيعة، ومحدثون، وعلماء في التفسير والنحو والادب. ثم من الاسباب المهمة تواجد النواب الاربعة (1) في بغداد، وهذا كان له خطر كبير وأمر ذو بال في تاريخ التشيع في بغداد، وانتشار المذهب فيها، ولا يخفى أن للامام الغائب المنتظر عجل الله تعالى فرجه وكلاء كثيرين غير السفراء الاربعة، كانوا يقطنون في بغداد، وقم، والكوفة، وغيرها من مناطق العراق وإيران، إلا أن السفراء منزلتهم أعلى، وهم النواب وأساتذة الفقه والدرس، عنهم تأخذ الشيعة، وهم الطريق الى الامام وبابه. وقد حظي التشيع باهتمام متزايد في بغداد من قبل الامراء في زمن دولة آل بويه، إذ ركز هؤلاء على نشر مذهب أهل البيت عليهم السلام، وذلك لما دخلوا بغداد فاتحين، اي في الربع الاول من القرن الرابع الهجري.
---
(1)
النواب الاربعة وهم السفراء من قبل الامام الثاني عشر المهدي المنتظر عجل الله فرجه في زمن غيبته الصغرى، الذي خرجت في حقهم توقيعات من الناحية المقدسة بسفارتهم، وهم على التوالي: أ - عثمان بن سعيد العمري السمان، من وكلاء الامام المهدي والهادي والعسكري عليهم السلام، وقد خرج التوقيع من الامام الحجة بسفارته. ب - محمد بن سعيد العمري، المتوفى سنة 305 ه‍، كان وكيلا من قبل الامام العسكري والحجة عليهما السلام. ج - الحسين بن روح النوبختي، المتوفى سنة 326 ه‍، وقد خرج التوقيع بسفارته في زمن سفارة محمد العمري. د - علي بن محمد السمري، المتوفى سنة 329، وقد خرج التوقيع بسفارته في زمن الحسين بن روح، وبوفاة السمري تنتهي السفارة وتبدأ الغيبة الكبرى.
---
[76]

(1/71)

ومما يلفت النظر أن المذاهب السنية الاربعة كانت لها كرسي الدراسة في بغداد، وأن مذاهبهم تدرس في المساجد بشكل رسمي، عدا مذهب اهل البيت عليهم السلام، ولما جاء البويهيون جعلوا المدهب الجعفري هو المذهب الخامس، له الحرية المطلقة في بث أفكاره وفتاواه، عبر علماء الشيعة، ومن أعلى المنابر في المدارس والجوامع التي خصصت للتدريس. وللاهتمام المتزايد من قبل معز الدولة البويهي ومن جاء بعده، فقد خصصوا رواتب منتظمة للعلماء وأهل العلم، وأغدقوا عليهم بالاموال، وواصلوهم بالعطاء والمنح والهدايا والمكافآت حتى ازدهر التشيع في سنيهم، وامتد إلى المناطق المجاورة لبغداد. من مظاهر انتعاش الفكر الشيعي آنذاك هو إقدام معز الدولة البويهي على تعزيز مكانة الشيعة بين المذاهب، فأخذ ببناء القباب على الاضرحة المقدسة للائمة عليهم السلام، وشجع الناس في الذهاب إليها، وزيارة المشاهد والعتبات، كما أعلن يوم العاشر من المحرم يوم حزن ومصيبة وعزاء، وألزم الناس في ذلك اليوم بتعطيل محالهم، كما جعل يوم 18 من ذي الحجة يوم فرح وسرور، لانه فيه نصب النبي صلى الله عليه وآله عليا خليفة على المسلمين من بعده، وهو يعرف بيوم الغدير، فكانت تنثر فيه الورود والعطور، وتبذل للناس الحلوى والاطعمة، وغير ذلك من مظاهر الابتهاج والفرح. والذي يمكن أن نقوله هنا: إن التشيع استمر على هذا النمط في أيامه الذهبية إلى سنة (448)، حيث حلت فتنة كبرى بين السنة والشيعة، أدت إلى حرق محلة الكرخ، وقتل الآلاف من الشيعة الابرياء، ثم سعى الحاقدون إلى قتل الشيخ الطوسي، غير أن الشيخ هاجر إلى النجف، وعلى أثر ذلك احرق كرسيه الدراسي،
---
[77]

(1/72)

ومكتبته الكبرى التي تعد من أكبر المكتبات في الدنيا آنذاك، لما فيها من نفائس الاثر (1). ثم توالت الاحداث على بغداد فالتجأ الشيعة فيها إلى أن يتقوا خصومهم، ويدفعوا شرهم بمختلف الاساليب، ومع ذلك لم يسلموا من بطشهم والفتك بهم إلى أن جاء المغول، ودخول هولاكو الذي لم يكن ليقيم وزنا للعقائد والاديان من قبل، ثم اهتدى حتى أصبح زمنه باعثا لانتشار التشيع مرة اخرى، وقد اعتنق بعض ملوك المغول مذهب التشيع، كنيقولاوس بن آرغون بن بغا بن هولاكو، حتى أنه بدل اسمه إلى " محمد خدابنده "، وابنه أبو سعيد بهادر خان بن محمد خدابنده، هكذا اخذ التشيع ينتشر كالعطر في التضوع (2)، كلما أخفيته ازداد الناس إليه تلهفا. ثم قيض الله سبحانه الدولة الجلائرية، وهي دولة شيعية بحتة، كان على رأسها الشيخ حسن الجلائري، فكانت السبب الآخر في بث علوم آل البيت عليهم السلام، والاهتمام بسيرتهم وأحاديثهم.. ثم بعد الدولة الجلائرية جاءت الدولة الصفوية لتهتم هي الاخرى بمذهب اهل البيت عليهم السلام. هذه نبذة مختصرة عن التشيع في بغداد، والذي برز فيها من علماء الامامية
---
(1)
لقد سبقت هذه الفتنة فتن اخرى غيرها: ففي سنة (362) احترق الكرخ بما فيه من المحلات السكينة والتجارية والدكاكين والابرياء من الناس، وقد احصى التاريخ عدد الذين احترقوا في هذه الحادثة فكان عددهم 17000 شخصا، و 300 محلا، و 33 مسجدا. انطر الكامل في التاريخ 10 / 157 و 162 و 9 / 628. وتوالت الاحداث على بغداد كما يذكرها ابن الاثير في تاريخه. انظر أحداث عام 401 و 406 و 408 و 443 و 444 و 448. الجزء العاشر من الكامل في التاريخ ص 221 وما بعدها. وقد ذكر ابن الجوزي طرفا من تلك الفتن التي حلت بالشيعة. انظر الجزء السابع منه. (2) تضوع العطر أي تحرك فانتشرت رائحته.
---
[78]

(1/73)

أعداد كبيرة، منهم: ابن قولويه، والشيخ محمد بن يعقوب الكليني، والشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والشريف الرضي، والشريف المرتضى، والشيخ الطوسي، رضوان الله عليهم أجمعين. أهم المراكز العلمية الحديثة للشيعة (أولا) النجف الاشرف: عندما نتحدث عن أهم المراكز العلمية للشيعة في العصر الحاضر، نجد في مقدمة تلك المدن النجف الاشرف، التي تشرفت بمثوى الامام أمير المؤمنين عليه السلام، وأخذت تنمو على مر الزمان. بدأ الشيعة يقطنونها منذ أن بنيت على المرقد الشريف قبة وعمارة عام 170 ه‍ ، وذلك في زمن هارون الرشيد وبأمر منه، وإن كان قد سبق الرشيد - في عمارة المرقد - داود بن علي العباسي، إذ عمل صندوقا على القبر الشريف عام 133 ه‍، والقصة فيه مشهورة. وقد سكن النجف من السادة العلويين وقبل أن ينتهي القرن الرابع الهجري، ألف وتسعمائة نفر، بغض النظر عن الشيعة من أصحاب الائمة عليهم السلام ومواليهم (1). لقد أخطأ الكاتب المعاصر عبد الله النفيسي عندما أوعز تأسيس النجف إلى عضد الدولة البويهي عام 1002 م (2) - ويقابله بالتاريخ الهجري هو عام 371 ه‍ -،
---
(1)
ماضي النجف وحاضرها: 1 / 21، ط 2، 1986 م، دار الأضواء - بيروت. (2) دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث لعبدالله النفيسي: ص 47، دار الأنهار للنشر 1973 م - بيروت.
---
[79]

(1/74)

ومورد الاشتباه واضح، إذ كانت النجف مهبط الزوار، و محط الفضلاء قبل هذا التاريخ بقرنين من الزمان، واستوطنها بعضهم تيمنا وتبركا بتربتها، ونيل الشفاعة ممن ثوي فيها. ولدينا عدة أدلة معتبرة في كون النجف - وقبل مجئ عضد الدولة - مركزا علميا، إلا أنها لم تبلغ من الشهرة إلا بعد رحيل الشيخ الطوسي إليها، وأن الحركة العلمية في النجف كانت تتخذ طابع الهدوء، والسير البطئ والمحفوف بالتقية والتستر، خوفا من النواصب، والخوارج، وبعض امراء الجور وسلاطين العصر، فمن الادلة على كيان النجف المتميز، ووجودها العلمي قبل مجئ عضد الدولة: أولا: أن بعض العلماء ورواة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، الذين رووا عن الامام الصادق عليه السلام ومن بعده من الائمة عليهم السلام قد نزحوا إلى النجف تيمنا بصاحب القبر الشريف عليه السلام، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: أحمد بن عبد الله الغروي، يروي عن أبان بن عثمان من أصحاب الامام الصادق عليه السلام. ثانيا: صدور إجازات علمية من بعض مشايخ العلماء القاطنين في النجف الى تلامذتهم، منها: إجازة صادرة من محمد بن علي بن الفضل الكوفي، أحد مشايخ الصدوق، ذكر الاجازة الشيخ الصدوق في مقدمة كتابه " من لا يحضره الفقيه "، قال: محمد بن علي بن الفضل الكوفي سمع - الشيخ الصدوق - منه سنة 354 ه‍، عند وروده الى الكوفة وهو في طريقه إلى الحج، وكان سماعه بمشهد أمير المؤمينين عليه السلام. ثالثا: نقابة الروضة الحيدرية كانت بيد اسر علمية، وعلماء مبرزين، منهم: السيد شريف الدين محمد المعروف بابن السدرة، أقام في النجف عام 308 ه‍ (1).
---
(1)
تاريخ الكوفة للبراقي: ص 218.
---
[80]

(1/75)

رابعا: سكن النجف من العلويين حتى أوائل القرن الرابع الهجري المئات منهم، وجلهم كانوا من أهل العلم والفضل والسيادة، قال الشيخ جعفر آل محبوبة: لما قطن النجف كثير من العلويين نمت فيها أرومتهم، ووشجت بها اصولهم، واشتبكت فروعهم، حتى لم يأت القرن الرابع من الهجرة إلا وفي النجف ألفا علوي (1). وقال أبو نصر البخاري في سر السلسلة العلوية في النسب، في محكي قول الشيخ جعفر آل محبوبة: أحصيت أسماء العلوية في المدينة وسائر الامصار - والنجف حتما كانت من تلك الامصار - سنة 227 ه‍ وكانوا 1370 رجلا، ومن الاناث 1370: من ولد الحسن عليه السلام: 310 من الذكور، ومن الاناث 314. ومن ولد الحسين عليه السلام: 440 رجلا، ومن الاناث 430. ومن محمد بن الحنفية: من الذكور 45 رجلا، ومن الاناث 35. ومن ولد العباس بن علي عليه السلام: 140 رجلا، ومن الاناث 230. ومن ولد عمر الاطراف بن أمير المؤمنين عليه السلام: 90 رجلا، ومن الاناث 116. ومن ولد جعفر الطيار - ابن أبي طالب -: 230 رجلا، ومن الاناث 140... الخ أقول: وقد غفل عن إحصاء الباقي لاكمال المجموع الذي ذكره أولا. ومن جملة الاخطاء - والتي لا تغتفر - ما ادعاه النفيسي في عضد الدولة والبويهيين، فقال: " كان البويهيون يبتغون من وراء تأسيس النجف خلق عصبية
---
(1)
ماضي النجف وحاضرها: 1 / 282.
---
[81]

(1/76)

عراقية تحميهم، وتكون بمثابة اعتراف باستقلالهم السياسي عن الزيدية... " (1). لقد عرفت قبل قليل أن النجف لها وجود وكيان مستقل قبل أن يأتيها عضد الدولة بأكثر من قرنين من الزمان، أما نشاطها العلمي وكونها مركزا سياسيا فلم تبرز إلا في زمن الشيخ الطوسي وما بعده. ثم متى كان السلاطين الشيعة ووزرائهم وامرائهم يجنحون إلى الفتن وخلق العصبيات حتى ينهج عضد الدولة ذلك المنهاج الذي يريده النفيسي ؟ ! فما هي إلا بذرة نفاق في تاريخنا المعاصر، وتشويه الحقائق التي لابد أن يتنزه الكاتب عنها، بل نجد التناقض من النفيسي بشكل واضح في كلامه، فقد نقض كلامه خلال أسطر قلائل، وفي الصفحة نفسها التي نقلنا منها النص المتقدم، فقال: "... وقعت فاجعة موت الحسين في العاشر من شهر محرم سنة 61 ه‍، ومن ملاحظة أهمية الاحتفاء بهذه الذكرى، ومن النظر في مالها من شأن ومقام لدى الشيعة، يستدل المرء على مبلغ ما للشيعة من قوة سياسية في العراق، وفي خلال العصور التاريخية كان علماء الشيعة فيها يحرصون على توكيد استقلالهم الديني والسياسي، وكانوا يرفضون مشايعة السلطات المركزية في بغداد ما لم يرغموا بالقوة على ذلك، ولان النجف كانت دوما تؤكد استقلالها الذاتي فإنها أصبحت مع الايام مركزا سياسيا مهما ناشطا للشيعة في العراق... " (2). وأكثر من ذلك أن آل بويه لم يجبروا الرعية في اعتناق مذهب دون آخر كما فعله الامويون والعباسيون، قال العلامة الشيخ المظفري في كتابه " تاريخ الشيعة ": " كان ابتداء سلطان آل بويه في شيراز، ثم سرى نفوذهم إلى ايران والعراق، بل
---
(1)
دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث: ص 47. (2) دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث: ص 47.
---
[82]

(1/77)

وإلى جميع بلاد بني العباس، وكانوا أرباب تدبير في جميع المملكة على عهد دولتهم، وليس للخليفة العباسي إلا مراسيم الخلافة، وهذا معلوم الشأن لا يجهله من سبر شيئا من التاريخ. وكان التسنن في عهدهم يغلب على أكثر البلاد من فارس والعراق، وهم على ظهورهم في التشيع لم يحاربوا التسنن، كما فعل الكثير من ملوك أهل السنة مع الشيعة، ومع قوة شوكتهم وغلبتهم على الخلافة والبلاد أحسنوا السيرة مع الرعية، ولم يتعصبوا للشيعة على السنة، بل وقعت في أيامهم حوادث بين الشيعة والسنة كان التحريش فيها من السنة، ولم يراعوا في ذلك السلطان، ولم يعبأوا بسطوته، ولكنهم لم يوقعوا بأهل السنة انتصارا للشيعة " (1). خامسا: وفي ترجمة شهاب الدين أبي عبد الله أحمد بن أبي محمد عمر نقيب الكوفة والنجف، قال ابن مهنا العبيدلى في مشجرته، هو الذي نص على نقابته في النجف، وفي " العمدة " قال: " قال أبو عبد الله أحمد: فحج أميرا على الموسم ثلاث عشرة حجة، نيابة عن الطاهر أبي أحمد الموسوي، وولي نقابة الطالبيين بالكوفة مدة عمره، ومات في سنة 389 ه‍ " (2). وفي مشجرة ابن مهنا في ترجمة الامير شمس الدين أبي الفتح محمد الذي كان سيدا جليلا كبيرا، وقد ولد بالموصل، وقرأ عليه كثيرا من أهل العلم، وقد تولى نقابة المشهد الغروي والحائر الحسيني والكوفة مدة طويلة، فقال ابن مهنا في نسب هذا الشريف: " شمس الدين محمد بن أبي طاهر محمد بن أبي البركات محمد بن زيد ابن الحسين بن أحمد بن أبي على محمد، الامير الرئيس بالكوفة، حج بالحاج سنة
---
(1)
تاريخ الشيعة لمحمد المظفري: ص 206. (2) العمدة: ص 293.
---
[83]

(1/78)

353 ه‍... الخ (1). أقول: أين هذه الادلة بالنسبة إلى النفيسي، وكيف غابت عنه حتى ادعى تأسيس النجف على يدي عضد الدولة البويهي سنة 1002 للميلاد المقابل للتاريخ الهجري عام 371 ه‍. لا يخفى على المتتبع أن النجف أخذت بالنمو والاتساع منذ أن سقطت الدولة الاموية، وبادر العباسيون بالدعوة لاهل البيت عليهم السلام، ومنذ أن كانت الكوفة مركز إشعاع للعلوم الدينية زمن الامام الصادق عليه السلام، وعلى هذا يتعين تأسيس النجف كمدينة حل بها بعض العلماء والفضلاء منذ أواخر القرن الثاني الهجري. على أي حال، نترك قول عبد الله النفيسي والتعليق عليه إلى القارئ النبيه. ثم ازدهرت الحياة العلمية في النجف بعد رحيل العلامة الطوسي إليها، وهو في يومه شيخ الطائفة وزعيمها بلا منازع، دخلها عام 448 ه‍ مهاجرا من بغداد إليها بعد الفتنة التي حلت بالشيعة هناك صوب الكرخ، وقد هجم الخصوم من أبناء السنة على دار الشيخ، وأحرقوا كتبه ومكتبته الضخمة وكرسي الدراسة الذي كان يجلس عليه في التدريس. منذ ذلك الوقت تأسست الجامعة الدينية بشكلها العلني في النجف وعلى رأسها الشيخ الطوسي، وشكل فيها الحوزة العلمية، وبنى اصولها، وتعهد ترتيبها وتنظيمها والبذل عليها والتدريس فيها، حتى وفد إلى النجف أنذاك مئات العلماء والفضلاء وأهل العلم والادب، وسكنوها احياء لتراث أهل البيت عليهم السلام، وكلما تقدم الزمن تجد النجف تأخذ بالاتساع في الشهرة والاهمية، حتى مجئ الشيخ علي ابن حمزة بن محمد بن شهريار الخازن بالمشهد الغروي عام 572 ه‍، وهو من كبار
---
(1)
ماضي النجف وحاضرها: 1 / 290.
---
[84]

(1/79)

العلماء، ومن مشايخ الاجازة، ففي زمنه أصبحت النجف مهبط أهل العلم والمعرفة، ومأواهم ومدفنهم المنشود. في أوائل القرن السابع الهجري برزت الحلة كمدينة شيعية لتضم المحقق الحلي - قدس سره - فتنشط الحياة العلمية فيها، ويعم الخمول آنذلك مدينة النجف، وتكون الهجرة إلى الحلة أقوى منها الى النجف، إلا أن ذلك لم يستمر كثيرا حتى زمن العلامة المقدس الاردبيلي - قدس سره -، إذ تعود النجف لتحتل الصدارة - مرة اخرى - من بين المراكز العلمية للشيعة، وحتى اليوم. ومن المظاهر المهمة لتشييد صرح العلم في النجف إضافة إلى تواجد العلماء والاشراف والسادة، بناء المدارس، ودور العلم، والمساجد (1)، والمكتبات، والحسينيات، والاندية، وبيوت الضيافة، والمرافق العامة الاخرى. وقد أولى السلاطين الشيعة ووزراؤهم والامراء منهم اهتمامهم الكبير لاعمار النجف وتوسيعها، وتطوير الحياة العلمية فيها، فآل بويه (2)، والايلخانيون، والسلاجقة (3) والجلائريون، والصفويون (4) وغيرهم، بالغوا في اهتمامهم بتشييد
---

(1/80)

(1) أكثر المساجد كانت قديمة والتي بلغ عددها المائة، وقد خربت بعضها، واضيفت بعضها الآخر إلى الشوارع العامة التي فتحتها الحكومة، ومن المساجد العامرة اليوم: المسجد الهندي، ومسجد الشيخ الانصاري، ومسجد آل الجواهر، والجامع الطوسي،... الخ. (2) هم الذين بنوا قبة الامام علي عليه السلام والرواق، وبذلوا الاموال لتزيين المرقد وإنارته، وشراء الفرش، وعمل القنوات، وخدمة الزوار، وبنوا الجوامع والمدارس، وأجروا الرواتب والصدقات على أهل العلم والنازحين منهم والفقراء، حتى أنهم كانوا يبذلون العطاء للناس أيام زيارتهم للمرقد الشريف، وأقل ما ينفقون في سفرهم لزيارة أمير المؤمنين (50000) دينارا. (3) من الاعمال المهمة التي قام بها السلاجقة ومنهم ملك شاه السلجوقي ; الملقب بجلال الدولة ت 485 ه‍، أنهم أسقطوا الضرائب من أهل البلد، وأجروا الانهار، وبنوا الجوامع - >
---
[85]

(1/81)

النجف، وتسابقوا في عمرانها، وأصبحت المدينة آهلة برجال العلم وكبار العلماء، وأهل القلم والشعراء والادباء، ثم رصدت المبالغ واوقفت الاموال والدور لاهل العلم والطلاب النازحين من خارج العراق. ففي النجف أكثر من ثلاثين مدرسة علمية تابعة للحوزة، والتي يدير شؤونها المراجع والعلماء وبعض الوجهاء من التجار وأهل الخير، ولتلك المدارس دور وأملاك موقوفة عليها ; لادارتها وسد بعض نفقاتها، أضف إلى ذلك المساجد، والتي هي بمثابة دور العلم والبحث والدرس، وملتقى الطلاب والعلماء. كما أن في النجف أكثر من مائة وخمسين مكتبة عامة وخاصة، فيها نفائس المخطوطات والكتب والآثار القيمة، قد يصل بعضها إلى عصر الائمة الاطهار عليهم السلام، ومن تلك المكتبات: مكتبة آل بحر العلوم، وآل كاشف الغطاء، وآل الطريحي، ومكتبة الخزانة العلوية الغروية، ومكتبة آل محي الدين، ومكتبة المحدث النوري ومكتبة صاحب الشريعة، ومكتبة آل الجزائري، ومكتبة الحكيم، ومكتبة الامام أمير المؤمنين التي أسسها الشيخ عبد الحسين الاميني، والمكتبة الحسينية الشوشترية، ومكتبة آل حنوش،...،... أما المطابع ودور النشر، فقد شهدت النجف خلال القرن العشرين نشاطا
---
< -
والمدارس والمساجد ودور العلم، وبالغوا في إكرام العلماء، فأجروا لهم الارزاق، وحملوا إليهم العطايا والاموال والحقوق. (2) أما الصفويون ; ففي زمانهم تألق نجم المدينة الغروية، وازدحمت برجال العلم وكبار الشيعة، وأهم السلاطين الصفويين الذين قدموا إلى النجف لعمارتها الشاه إسماعيل الصفوي - الاول - والسلطان شاه طهماسب، والشاه عباس الاول، والشاه صفي، ووزيره الميرزا تقي المازندراني الذي وكله لعمارة المرقد، والسلطان نادر شاه الذي جعل المذهب الجعفري المذهب الخامس والرسمي للبلاد، وقد أشهد على ذلك كبار علماء المذاهب الاربعة من بخارى وبلخ وأفغانستان وإيران والعراق.
---
[86]

(1/82)

واسعا في مجال التأليف والطبع والنشر، وقد ساهم في دعم هذه الحركة الدؤوبة تواجد العلماء فيها، وتوفر ذوي الخبرة والكفاءة والايدي العاملة ورؤوس الاموال وبعض التسهيلات الفنية، كل ذلك وغيره من الاسباب ساهمت في جلب المطابع إلى النجف، وإنشاء دور النشر فيها، وقد زاولت تلك المطابع عملها في طبع الكتب وآثار العلماء قديما وحديثا، وطبع المجلات والجرائد والدوريات، حتى بلغ عدد المطابع في أواخر الخمسينات (13) مطبعة بين صغيرة أو قديمة قد اندثرت، وبين حديثة لم تزل تمارس نشاطها. أما العلماء والسادة والاشراف، فإن كتب التراجم والرجال قد أحصت المئات بل الالوف منهم منذ زمن الشيخ الطوسي وإلى يومنا هذا، نذكر منهم جماعة ساهموا في بناء صرح النجف العلمي ومجدها الدائم: آل الانصاري: من الاسر العلمية المعروفة، باني مجدها العلامة آية الله الشيخ مرتضى بن محمد أمين الانصاري، ينتمي إلى الصحابي الجليل المعروف جابر بن عبد الله الانصاري، وهو أول من زار قبر الشهيد المظلوم الامام الحسين عليه السلام في أيام الاربعين، وقد برز من هذه الاسرة علماء أجلاء، ونوابغ في الفكر الشيعي، ولم يزل بعضهم يقطن النجف ودزفول وشوشتر وطهران وقم. آل كاشف الغطاء: من الاسر التي امتازت بعلو المنزلة والشموخ في العلم والسياسة والزعامة الدينية، جدها الاكبر الشيخ جعفر بن الشيخ خضر بن يحيى، وينتهي نسبه إلى مالك الاشتر. ولد الشيخ جعفر كاشف الغطاء عام 1156 ه‍، وتوفي عام 1228 ه‍، له مواقف مهمة في تاريخ النجف، أهمها الوقوف بوجه الوهابية الغزاة، الذين هجموا مرات عديدة على كربلاء والنجف الاشرف، والشيخ كان يذب عن أهالي البلد، ويبذل على الفقراء والمعوزين، وقد تكفل بدفع الضريبة التي فرضتها
---
[87]

(1/83)

الحكومة التركية على النجف والذي يساوي 80 طنا من الطعام، وهو كثير بالنسبة لسكان المدينة ووضعهم المعاشي المتردي. وللشيخ جعفر كاشف الغطاء إخوة ثلاثة، هم: الشيخ حسين، والشيخ محسن والشيخ محمد، وكل واحد منهم أصبح أبا لاسرة كبيرة فيما بعد، وهم الان يعرفون باسرة آل خضر وآل شيخ راضي وآل شيخ عليوي، وهذه الاسرة لم تزل تحتفظ بمكانتها العلمية والاجتماعية من بين باقي الاسر النجفية، وقد خرج من بينهم فطاحل العلماء وكبار الادباء والشعراء، وعلى رأس هذه الاسرة في القرن العشرين العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، الذي عرف بعلمه، وورعه، وتقواه، وخدمته للطائفة، ونصرته للمسلمين، والذب عن حمى الاسلام، والوقوف بوجه السياسة البريطانية والحكومة الملكية. آل طريح: من الاسر العلمية العريقة في النجف، ينتهي نسبها إلى حبيب بن مظاهر الاسدي، الذاب عن حرم رسول الله صلى الله عليه واله في يوم الطف، وقد استشهد مع الامام الحسين عليه السلام. من أبرز رجال هذه الاسرة صاحب " مجمع البحرين " الشيخ فخر الدين بن محمد علي بن الشيخ أحمد بن الشيخ علي بن أحمد بن طريح، ولد سنة 979 ه‍ وتوفي عام 1087 ه‍، ومن هذه الاسرة برز رجال عرفوا بالصلاح والتقوى، وقد حاز بعضهم قصبة السبق في العلم والاخلاق والادب، ومن بينهم شعراء وكتاب ومحققين، ولم تزل لهم في النجف والكوفة بيوت عديدة صاحبة السيادة والعز... آل الحكيم: وهم السادة الاجلاء، والاسرة العريقة في عالم الفكر والسيادة، حازت أعلى درجات الشرف عندما آلت المرجعية الدينية إلى آية الله السيد محسن الحكيم - قدس سره -، إذ تقلد الزعامة الروحية والسياسية في آن واحد، ودانت له
---
[88]

(1/84)

الرقاب، وسطع نجمه، في سماء العلماء، وبذ الاوائل والاواخر، فلم يعد أحد من بينهم يفاخر، حيث ذاع صيته في الآفاق، وازدهرت الحياة العلمية في وقته حتى وصل التشيع في زمنه إلى أوج علاه، وطأطأت له ملوك العراق وإيران، وانقادت جميع الشيعة في الامصار والبلدان إليه، واصبح مرجعها الاكبر، وزعيمها الاوحد، فهو ملاذ الامة وكلمتها الفاصلة، أعاد للطائفة عزها وشرفها وهيئتها، وقد زلزل عروش الكفر بفتواه الخالدة، وأذل عبيد الاستعمار والمتزلفين لهم عندما وقف أمام قانون الاحوال الشخصية وقانون الاصلاح الزراعي، وغيرها من القوانين المدنية التي كانت فاتحة عهد جديد في تاريخ العراق السياسي، والتي كان من ورائها خطط استعمارية تستهدف الاطاحة بالروح الدينية في العراق. إن الصفات التي كان يتحلى بها الحكيم - قدس سره - أهلته لان يكون المرجع للبلدان الشيعية، ويكون صداه مدويا في جميع الاقطار، وتقف كل الحكومات والشعوب أمامه موقف الاجلال والاكبار،...، فقد حاز على النسب الرفيع، والشرف المصون، والعلم، والذكاء، والفطنة، والكياسة، والاخلاق العالية،... كل ذلك صيرته زعيما للشيعة وفخرها الدائم. برز من اسرة آل الحكيم كبار العلماء، ورجال تعتزبهم الجامعة النجفية في كل وقت ; أمثال السيد محمد سعيد الحكيم - قدس سره - والسيد محمد حسين، والسيد محمد تقي، وآخرون يطول المقام في ذكرهم. آل الجواهري: من الاسر التي تفتخر النجف برجالها الافذاذ والعلماء الاماجد، وقد علا شأن هذه الاسرة من حين نبوغ عميدها الاكبر، وجدها صاحب المواهب الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر بن الشيخ عبد الرحيم بن آغا محمد الصغير بن عبد الرحيم الشريف الكبير، حيث بنى هذا الشيخ صرح مجد
---
[89]

(1/85)

الاسرة وعزها المنيع. وأغلب العلماء الذين برزوا من هذه الاسرة تنتمي إلى الشيخ محمد حسن صاحب " الجواهر "، وهو غني عن التعريف، وآثاره تدل على علو شأنه، وسمو كعبه، فقد تصاغرت همم الرجال والعلماء تجاه مآثره ومناقبه، وما خطه قلمه من تراث ليتغنى الدهر به طوال القرون الآتية، فهو فخر الشيعة ومفخرة الشريعة وعقد جمانها، زين جيد الدهر بعلمه الوافر، ما لم يأت به أقرانه من الاوائل والاواخر، توفي عام 1266 ه‍. لقد نبغ من اسرة الجواهري علماء وادباء وشعراء وأهل سيادة عرفتهم النجف منذ أمد بعيد، وفيهم من أهل العلم والصلاح والتقوى رجال عديدون قد أدركنا بعضهم، فرحم الله الماضين منهم وسدد الباقين. آل المظفر: اسرة علمية عرفت في النجف منذ القرن الثاني عشر الهجري، ونسبتها إلى أحد أجدادها، وهو مظفر بن أحمد بن محمد بن علي ابن حسين، من آل علي القاطنة في الحجاز وأعالي المدينة المنورة. برز من بينها فطاحل العلماء وكبار الشعراء، ومنهم الخطباء والادباء الذين ذاع صيتهم خلال القرن الاخير، ومن علمائها المشهورين الشيخ محمد رضا المظفر - قدس سره - مؤسس منتدى النشر وكلية الفقه، وله طول باع في خدمة العلم والمذهب، وتصانيفه في: المنطق، والاصول، والعقائد، وغيرها تدرس في الحوزات العلمية، فقد أسدى بقلمه وفكره وأخلاقه وأدبه خدمة جليلة للطائفة وللمسلمين بشكل عام. آل البلاغي: عرفت هذه الاسرة في النجف منذ القرن العاشر الهجري، وهي من القبائل التي تنتسب إلى ربيعة، ولها فروع وبيوت في المدن العراقية غير النجف،
---
[90]

(1/86)

كما لها بيوت معروفة في قرى ومدن لبنان وجبل عامل، أبرز علماء هذه الاسرة الشيخ جواد بن الشيخ حسن بن الشيخ طالب، ولد عام 1280 ه‍ أو بعدها بقليل، وتوفي عام 1352 ه‍، وهو يعد في مقدمة العلماء الذين ذبوا عن حمى الاسلام، ووقفوا بوجه التبشير المسيحي وأقلام المأجورين، وكم دافع بقلمه عن المسلمين وعقائدهم، ورد شبهات الماديين وأكاذيبهم، فإن كتبه وكتاباته تشهد بذلك، منها: " الرحلة المدرسية والمدرسة السيارة " في ثلاث أجزاء، " والهدى إلى دين المصطفى " في جزئين، ورسالة في التوحيد والتثليث، وأجوبة المسائل حول شبهات الالحاد والاعتراض على قدس رسول الله صلى الله عليه وآله، وهناك مؤلفات اخرى له فليراجع. واسرة آل البلاغي انجبت فطاحل العلماء والادباء، وذكرهم يتألق من بين الاسر النجفية، ولم تزل بيوتهم عامرة في النجف. آل الجزائري: من الاسر العلمية المعروفة بتقواها وصلاحها وأدبها، ينتهي نسبها إلى بني أسد، هاجرت إلى النجف في أوائل القرن العاشر الهجري، وشيدت لها بيوت علمية فيها، وقد انتشر صيتهم في الاوساط العلمية والادبية في النجف والبصرة ونواحيها، وجدها الاكبر هو الشيخ عبد النبي بن الشيخ سعد، ممن قرأ على الشيخ علي بن عبدالعالي الكركي، كما أنه يروي عن صاحب المدارك السيد محمد، توفي عام 1021 ه‍ في طريقه من إصفهان إلى شيراز. وهناك اسر علمية وأدبية اخرى كثيرة برزت في تاريخ النجف العلمي والسياسي لم نذكرها خوف الاطالة، وحرصا على منهجية البحث. والنجف اليوم تعد من أكبر وأهم المراكز العلمية للشيعة الامامية، بحيث لا يدانيها بلد آخر في العلم والادب ; فقد جمع رجالها بين القلم والسيف، كما أن حياة
---
[91]

(1/87)

علمائها اتسمت بالتقوى والورع والزهد. وأنجبت النجف بالاضافة إلى الاسر العلمية التي تقدم ذكر بعضها، طائفة من المراجع والعلماء الذين تصدوا للمرجعية الدينية والسياسية، والاهتمام بشؤون المسلمين إداريا واقتصاديا والافتاء، وكانوا مما يشار إليهم بالبنان، وهم الذين رفدوا الحوزة فيها بنمير علمهم، وغذوها من لبنات أفكارهم، وصانوها من كل مكروه بأنفاسهم وتفرعهم وخشوعهم، بل أن الكثير منهم كان صاحب مناقب وكرامات، كالسيد بحر العلوم الكبير، وكاشف الغطاء جد الاسرة، والشيخ خضر شلال. ولا يخفى ما للنجف من مكانة سياسية واقتصادية واجتماعية بالاضافة إلى مكانتها الدينية والروحية، فمن رجالها الدينيين الذين تقلدوا الزعامة السياسية أيضا: السيد كاظم اليزدي، والسيد أبو الحسن الاصفهاني، والسيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ محمد كاظم الاخوند الخراساني، وشيخ الشريعة الاصفهاني، والشيخ محمد جواد الجزائري، والشيخ جواد الجواهري من أحفاد صاحب " الجواهر "، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والامام محمد تقي الشيرازي، والعلامة الشيخ محمد جواد البلاغي، والميرزا محمد حسين النائيني، والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والسيد عبد الهادي الشيرازي، والسيد محسن الحكيم - قدس الله أرواحهم الزكية -، فهؤلاء وعشرات العلماء كانوا في ركبهم يساندونهم ويعاضدونهم في مهام الامور وجليلها، ولهم صولات عديدة، وجولات في عالم السياسة في جميع الازمنة والعصور: كثورة العشرين واحتلال بريطانيا للعراق، والمواقف الاخرى في إبرام العقود والمعاهدات، وغير ذلك من البنود التي أملتها الحكومة البريطانية على العراق أيام الانتداب.
---
[92]

(1/88)

(ثانيا) كربلاء: وأما كربلاء فقد ظلت تواكب النجف في كل الازمنة وأغلب الحالات، ولما كانت المرجعية مقرها النجف فإن الزعامة الروحية والسياسية ما كانت تعدو هذه المدينة لغيرها، بل كانت بقية المدن العراقية، بل والمدن الشيعية في العالم تتجة أنظارها إلى النجف، بل وتنظر إليها بعين إجلال وإكبار. على أن في كربلاء من العلماء البارزين والادباء والشعراء والحفاظ عددا لا يستهان به، وأن كربلاء لها ثقلها الديني، لوجود المرقدين المقدسين: الامام الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وأخيه العباس عليه السلام، وقد سكن كربلاء - قديما وحديثا - علماء أجلاء ومن كبار الشيعة، وكونوا فيها حوزة علمية، وأرفدوها بمصنفاتهم، وغذوها بباعهم الطويل في مختلف العلوم، وهي اليوم تواكب النجف في سيرها العلمي والديني. فمن الاسر العلمية في كربلاء: اسرة الاسترآبادي: ينتهي نسبها إلى الامام الحسين بن علي عليهما السلام، سكنت كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري. وآل الامير: السيد علي الكبير، ينتهي نسبها إلى زيد الشهيد ابن الامام علي ابن الحسين عليهما السلام، ومنها تفرعت عدة اسر علمية معروفة اليوم في كربلاء، منها: العلامة السيد محمد علي هبة الدين الحسيني الشهرستاني، وهو بالاضافة إلى علمه وورعه فقد جمع إلى القلم السياسة، إذ تولى وزارة المعارف في عام 1921 م في رئاسة عبد الرحمان النقيب الثانية. آل البحراني: استوطنت كربلاء في مطلع القرن الثاني عشر الهجري، وتنتمي
---
[93]

(1/89)

هذه الاسرة إلى السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد ابن الامام موسى الكاظم عليه السلام. آل البهبهاني: تنتهي إلى الامام الكاظم عليه السلام، من أبرز علماء هذه الاسرة السيد حسين بن السيد إبراهيم بن السيد حسن البهبهاني الموسوي، المقتول في المدينة المنورة سنة 1300 ه‍. آل الرشتي: من أبرز علماء هذه الاسرة السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي، المتوفى سنة 1259 ه‍، وله عقب ما زالوا في كربلاء. آل الشهرستاني: من الاسر العلمية المعروفة في كربلاء، أشهر علمائها السيد ميرزا محمد مهدي الموسوي الشهرستاني، وهو أحد مراجع التقليد في عصره، وهو جد الاسرة الشهرستانية، انتقل إلى كربلاء بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري. آل الطبطبائي: سادة حسنيون سكنوا كربلاء زمنا طويلا، ومن هذه الاسرة السيد علي الطبطبائي صاحب " رياض المسائل "، ومن هذه الاسرة نوابغ في العلم والادب والشعر، ولهم جاه كبير، وسعة اطلاع. آل طعمة: سادة ينتهي نسبهم إلى السيد إبراهيم المجاب، لها الصدارة من بين الاسر العلمية التي قطنت كربلاء، من أبرز رجالها السيد طعمة علم الدين الفائزي الموسوي، كما أن من أبرز رجالها المتأخرين السيد عبد الحسين الكليدار سادن الروضة الحسينية. وهناك اسر عديدة، كاسرة آل عصفور، وآل الفتوني، وآل القزويني، وآل المازندراني، وآل المرعشي، وآل النقيب (1).
---
(1)
انظر تراث كربلاء لسلمان هادي طعمة، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات - بيروت.
---
[94]

(1/90)

(ثالثا) قم المقدسة: تعد قم اليوم من أهم المراكز العلمية للشيعة، وقد اتجه طلاب العلم والعلماء وأهل القلم والتحقيق إلى هذه المدينة المقدسة بعد ما حل رجس البعثيين في العراق، وحولوا المدن العلمية هناك الى بقاع هامدة تنتهشها أيدي الرجس والفجور، والان يخيم على المدن العلمية في العراق - كالنجف وكربلاء والكاظمين وسامراء - سحابة كبيرة من الكبت والقهر، بل أن الطاغوت في العراق أخذ بتصفية العلماء، وتشريد طلاب العلوم الدينية من تلك المراكز الدينية للشيعة، فحولها بورا، وأحل بها الدمار والخراب، فأقدم على قتل المراجع العظام، وإعدام السادة الابرياء، ولاحق الاجلاء من نسل علي وفاطمة، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. إن هذه الاسباب والويلات التي جرت في القرن العشرين على عراقنا الجريح أودت بحياة الحوزة العلمية في النجف وكربلاء وسامراء، وصيرت شتاتها إلى قم المقدسة لتجتمع هناك، وقد حدا الامر قبيل ذلك أن يتصدى آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي المولود في عام 1276 ه‍ - في مدينة مهرجرد من قرى يزد - بعد ما نزل قم سنة 1340 ه‍ لان يؤسس الحوزة العلمية فيها، وقد ساعد آية الله الحائري على إنجاح هذا المشروع وصول بعض علماء العراق إلى إيران، حيث نفتهم الحكومة العراقية وبأمر من المستشار البريطاني في بغداد، وكان وصول هؤلاء المراجع سنة 1341 ه‍ أمثال الشيخ مهدي الخالصي، والسيد أبي الحسن الاصفهاني، والميرزا محمد حسين النائيني، والسيد علي الشهرستاني، والسيد عبد الحسين الحجة (1)، لهم الاثر الكبير في تعزيز مكانة الشيخ الحائري، وتشييد الحوزة العلمية
---
(1)
طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر في القرن الرابع عشر لآغا بزرگ الطهراني: القسم
---
[95]

(1/91)

فيها، وبالخصوص لما تولى السيد أبو الحسن الاصفهاني، والميرزا محمد حسن النائيني مهمة التدريس وإلقاء البحوث على مستوى سطح الخارج على الطلاب، مع اشتغالهم بترويج المذهب، والاعتناء بشؤون أهل العلم والعلماء، والتصدي للوقوف أمام حكم البهلوي رضا شاه الدكتاتوري الذي أشاع الفساد، وقهر العباد، وسلك طريق الاباحية في سياسته. ثم ازدهرت الحياة العلمية في الربع الاخير من هذا القرن، الى أن قيض للحوزة في قم المرجع الديني الاعلى المغفور له السيد روح الله الخميني - قدس سره -، فأعاد العز والشرف والهيبة والوقار إلى الحوزة العلمية وعلمائها مرة اخرى، بعد ما تصدعت في أيام الحكم البهلوي رضا شاه وابنه محمد، إذ أعدموا الكثير من العلماء والسادة الاجلاء والمجاهدين الغيارى، وقد ارتكبوا عدة جرائم بشعة ; كالقتل الجماعي ; ومن أبرز تلك الجرائم: حادثة (مسجد گوهرشاد) في مشهد الامام الرضا عليه السلام، إذ ذهب ضحيتها أكثر من عشرة آلاف شخص. ثم لا يخفى ما لقم من تاريخ ديني وعلمي وسياسي مهم، وقد ذكرنا قسطا من تلك الاهمية عندما تحدثنا عن قم بكونها من أحد المراكز العلمية القديمة للشيعة، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن تعيد قم مجدها الديني، ومنزلتها العلمية مرة اخرى، إذ رحل إليها العلماء وأهل العلم، وقطنها المراجع العظام ; أمثال: الشيخ المولى محمد إبراهيم الكزازي المازندراني. والشيخ الميرزا أبو القاسم الجيلاني القمي، والذي يعد من أكابر علماء قم ومحققيها وأساتذتها، عاش بين 1151 - 1231 ه‍. والسيد أحمد بن عناية الله الزنجاني.
---
< -
الثالث من الجزء الاول، ص 116 ط 2، 1404 ه‍.
---
[96]

(1/92)

والشيخ محمد باقر بن الحسن الزرندي، وهو من الاعلام الكبار في عصره، توفي بعد سنة 1224 ه‍. والشيخ المولى محمد حسين بهاء الدين محمد القمي، كان من تلامذة الميرزا أبي القاسم القمي صاحب كتاب " القوانين ". والشيخ محمد علي بن محمد جعفر القمي، من كبار علماء قم في عصره، زار العراق وعتباتها المقدسة، ثم نزل طهران وبعدها خراسان، حيث يختلف إلى علمائها، وينتفع من نميرهم، حتى بزغ نجمه، وعلا صيته وتألق اسمه في سماء العلم والتقى، حتى ألح عليه الشيخ عبد الكريم الحائري أن يبقى في قم ليتصدى إلى البحث والتدريس فيها، وقد أجاب لطلبه إلى أن توفي فيها سنة 1358 ه‍، وله آثار و مصنفات عديدة. ومن جملة العلماء في قم ممن مضى: منهم السيد محمد الكوه كمرئي، الملقب بالحجة، وصاحب المدرسة المعروفة في قم، توفي فيها عام 1310 ه‍. والسيد جواد بن السيد علي رضا القمي، المتوفى سنة 1303 ه‍. والسيد آغا أحمد بن السيد محمود بن محمد بن علي الطباطبائي القمي، كان من المبرزين في عصره، توفي سنة 1334 ه‍. والشيخ المولى محمد جواد القمي، أحد تلاميذ الشيخ الانصاري - قدس سره -، له منزلة عظيمة في قم، وقد أجله العام والخاص، وتصدى للقضاء والافتاء، توفي سنة 1314 ه‍. ومن الاعلام في قم: الشيخ حبيب الله بن الشيخ زين العابدين القمي، نزيل زيران بالقرب من الري، ولد في قم سنة 1289 ه‍، ودرس فيها المقدمات والسطوح، ثم حضر البحوث العالية حتى سنة 1340 ه‍، حيث ذاع صيته بين المراجع والفقهاء،
---
[97]

(1/93)

له مؤلفات عديدة. والسيد الميرزا حسن القمي، من الاقطاب في عصره، وأحد العلماء الاجلاء في قم توفي فيها سنة 1325 ه‍. والسيد آغا حسين القمي، أحد العلماء المعروفين ومن المراجع، توفي سنة 1306 ه‍. والشيخ عباس بن محمد رضا القمي، المحدث الجليل، والعالم المؤرخ، صاحب التصانيف القيمة، والكتب التاريخية، والموسوعات النافعة، ولد في قم 1290 ه‍، وتوفي في النجف سنة 1359 ه‍، بعد ما خلف مجموعة نفيسة من الآثار العلمية. والسيد عبد الحسين ابن السيد جواد الحسيني القمي، ممن تتلمذ على الشيخ محمد كاظم الخراساني، وشيخ الشريعة الاصفهاني، هاجر إلى النجف سنة 1320 ه‍، ثم رجع إلى قم، وبعد رجوعه: بقليل توفي فيها سنة 1337 ه‍. والشيخ عبد الله القمي، من العلماء الاجلاء، تلمذ على السيد المجدد الشيرازي في سامراء، ثم رحل إلى النجف، ثم عاد إلى قم سنة 1310 ه‍، فأقبلت عليه العلماء وأهل العلم وكافة الطبقات، وأصبح ممن يشار إليه بالبنان ; لفضله وورعه، وقد توفي بعد سنة 1310 ه‍. والسيد عبد الله بن السيد إسحاق بن السيد حسين الرضوي القمي، أحد تلاميذ السيد حسين الكوه كمري، والميرزا حبيب الله الرشتي، والشيخ راضي النجفي وغيرهم من العلماء الاجلاء، ثم عاد إلى قم واشتهر بين الخاص والعام، وكان يقيم الجماعة في مسجد الامام الحسن العسكري عليه السلام، توفي في قم سنة 1333 ه‍، وله مصنفات عديدة. وهناك علماء كثيرون لا يمكن إحصاؤهم في هذه اللمحة السريعة، الا أن
---
[98]

(1/94)

أبرزهم خلال القرن الرابع عشر الهجري: آية الله العظمى المرجع الكبير السيد آغا حسين البروجردي، والسيد محمد حسين الطباطبائي - قدس سرهما -، صاحب تفسير " الميزان "، والمرحوم آية الله المرجع الديني الامام الراحل السيد روح الله الخميني زعيم الثورة الاسلامية في إيران - قدس سره -، وآية الله العظمى المرحوم السيد شهاب الدين المرعشي النجفي، وآية الله المرجع الديني السيد محمد رضا الگلپايگاني، شافاه الله وألبسه ثوب العافية، وآية الله العظمى الشيخ محمد علي الاراكي، وآية الله جوادي آملي، وآية الله مكارم شيرازي، وغيرهم ممن لهم مقام في الدرس والتأليف. ولو جاوزنا سرد الاسماء من المراجع والعلماء والمجتهدين في قم، فإن الحركة العلمية قد نشطت خلال هذين العقدين من الزمان، إذ تأسست المجامع العلمية، ومؤسسات التحقيق، ودور النشر، ومعاهد التدريس، والجامعات الاكاديمية إلى جنب الجامعات الدينية، وقد دخلت الاجهزة الحديثة - الكومبيوتر - ليستفيد منها أرباب العلم والعلماء، مما ازدهرت حركة النشر والتوزيع بصورة ملحوظة.. (رابعا) خراسان: أول من دخل من المسلمين بلاد طبرستان الامام الحسن بن علي عليهما السلام، وعبد الله بن عمر ومالك الاشتر، وقثم بن العباس، وذلك زمن عمر بن الخطاب، ثم دخلها مصقلة بن هبيرة الشيباني في زمن خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وذلك لما ارتدت قبيلة بني ناجية عن الاسلام وعادت إلى نصرانيتها (1)، إلا أن بعض الاعلام ينكر وجود هذه القبيلة وارتدادها عن الاسلام
---
تاريخ طبرستان ورويان ومازندران لظهير الدين بن نصير الدين المرعشي، ألف كتابه عام
---
[99]

(1/95)

والجيش الذي أرسله الامام أمير المؤمنين بقيادة مصقلة بن هبيرة، وقد ذكر عباس شايان في هامش كتاب " تاريخ طبرستان " عدة نقاط في ذلك (1). كيفما كان، لا يهمنا تاريخ فتح هذه البلاد بقدر ما يهمنا الولاء الذي حمله التابعين وحبهم لاهل البيت عليهم السلام، ولا يخفى أن الجند الفاتح كان فيه جملة من أصحاب الرسول صلى الله عليه واله، فبين من هو قرشي النسب ومن ذرية علي وفاطمة عليهم السلام، وبين من هو هاشمي، أو من ينتمي إليهم بالولاء. فهذه التكوينة الخاصة بالجند زمن عمر، ثم الجند المرسل - إن سلمنا بحادثة ارتداد قبيلة ناجية - زمن الامام أمير المؤمنين عليه السلام كان لهما الاثر في بذر التشيع في خراسان، إلا أنه لم يظهر على الصعيد السياسي والعقائدي، بل إذا صح التعبير أن نقول: هناك من يعرف حق أهل البيت ولو بصورة إجمالية، وعلى أقل تقدير، أن ولاء بعض الجند الفاتح لاهل البيت كان مشهودا. ثم بدأ التشيع الحقيقي في خراسان عندما ولي الامام الرضا ولاية العهد زمن المأمون، بعدما كانت فارس - كلها إلا ماندر - لا تميز بين البيت العلوي الهاشمي والبيت العباسي، إلا أن الامام الرضا عليه السلام كشف لهم حقائق بني العباس، وغصبهم للخلافة الشرعية من أهلها، كما أن المناظرات التي كانت تعقد بين الامام عليه السلام وبعض خصومه بتوجيه من المأمون كانت تكشف للناس فضل أهل البيت ومعرفتهم وتقواهم، وبها يندحر الخصوم وينتكس على عقبه. بدأ التشيع بخراسان بهذا الشكل، ثم قوي واتسع نطاقه زمن إمارة طاهر بن الحسين الخزاعي على همدان وخراسان عام 205 ه‍، وهو قائد المأمون، والذي فتح بغداد بعد مقتل الامين.
---
< - 881
ه‍: ص 195. (1) هامش تاريخ طبرستان: ص 195.
---
[100]

(1/96)

عرف التشيع في خراسان في عهد الامام الرضا عليه السلام - كما تقدم -، وقد نزل في خراسان جماعة من السادة الطالبيين والعلويين، على أن أهل خراسان بل جميع مدن إيران - كانت تجهل منزلة ومكانة أهل البيت عليهم السلام والامام الرضا بالذات عدا الخواص من الناس، بل أن الهاشميين الذين كانوا في خراسان هم كذلك جهلوا حق الامام عليه السلام، قال الصدوق في كتابة " عيون أخبار الرضا عليه السلام ": بإسناده عن محمد ابن يحيى بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يتكلم بهذا الكلام عند المأمون في التوحيد، قال: أيوب العلوي: إن المأمون لما أراد أن يستعمل الرضا عليه السلام جمع بني هاشم، فقال لهم: إني اريد أن استعمل الرضا على هذا الامر من بعدي، فحسده بنو هاشم، وقالوا: أتولي رجلا جاهلا ليس له بصر بتدبير الخلافة، فابعث إليه رجلا يأتنا، فنرى من جهله ما تستدل به عليه، فبعث إليه فأتاه، فقال له بنو هاشم: يا أبا الحسن، إصعد المنبر وانصب لنا علما نعبد الله عليه... الحديث (1). نستفيد من الحديث عدة امور، منها: أولا: أن في خراسان كانت بيوت واسر هاشمية تقطنها قبل مجئ الامام الرضا ونزوله فيها. ثانيا: أن الجهل المطبق على الناس في بلاد فارس استمر زمنا طويلا، عدا أماكن معدودة ; كقم. ثالثا: أن المناظرات التي كانت تعقد بأمر المأمون وسعت من دائرة التشيع، كما أنها أتاحت الفرصة للآخرين أن يفهموا حقيقة الائمة المعصومين ومنزلتهم وكراماتهم، وهذا ما كان يجهله الناس، بل حتى بعض الهاشميين الذين حملهم الحسد
---
1 -
عيون أخبار الرضا عليه السلام: 1 / 149 - 153.
---
[101]

(1/97)

أن يطلبوا من المأمون لان يتكلم الرضا عليه السلام في باب التوحيد، فعسى أن تزل به القدم ويسقط عند نظر المأمون. وقد افتضح المأمون في جلسات ومناظرات عديدة، وبان فشله وما يكيده للامام، ومن جهة اخرى يتألق نجم الامام، ويعلوا شأنه، وتذهب بأخباره وكراماته الركبان حتى ذاع صيته في الآفاق، مما كان سببا في تخوف المأمون على ملكه وخلافته إلى أن دبر قتله، ومات الامام عليه السلام مسموما بيد الغدر والخيانة، ومن ذلك الحين أصبح مرقد الامام الرضا وخراسان بشكل عام مهوى ومهبط الشيعة، وتوالت الازمان وذرية آل البيت تتجه إلى هذا الحرم الآمن، وتتخذه قاعدة لبث التشيع بين صفوف الناس والنواحي المجاورة لمشهد الامام الرضا عليه السلام. أما طوس ; فهي تعد جزءا من خراسان، ولها تاريخ قديم، وأما حدودها فهي تشمل مساحة واسعة من الاراضي والمدن والنواحي، وابن حوقل يذكر أنها تشمل: نيسابور، ومرو، وهرات، وبلخ. وبخراسان وما وراء النهر كور دون هذه في الصغر، فمنها: قوهستان، وطوس (1)، والسمعاني يقول: طوس ناحية بخراسان، فيها ألف قرية. وفي " آثار البلاد وأخبار العباد " أن طوس مدينة بخراسان، بقرب نيسابور. على أي، لما كانت طوس جزءا من ولاية خراسان قديما، فلا يخفى من أنها المدينة الاخرى التي احتضنت مجموعة من العلماء والفضلاء والسادة العلويين من ذرية علي وفاطمة عليهما السلام، وانتشر التشيع فيها ضمن دعاة العباسيين الذين كانوا يدعون لآل البيت عليهم السلام ظاهرا وإن كان في الخفاء يسعون لانفسهم، إلا أن هذا الزيغ والباطل قد انكشف حتى لعوام الناس.
---
(1)
تاريخ ابن حوقل بنقل (مطلع الشمس)، محمد حسن خان صنيع الدولة: 1 / 203.
---
[102]

(1/98)

ومن المناسب أن نذكر بعض علماء خراسان الذين اشتهروا بالعلم والورع والتقوى خلال القرنين الماضيين وما بعدهما الى اليوم، على سبيل المثال لا الحصر، منهم: الشيخ المولى أحمد الهراتي المعاصر للميرزا مهدي الشهيد 1218 ه‍. والشيخ المولى إسماعيل الازغدي، المتوفى سنة 1232 ه‍. والشيخ إسحاق بن إسماعيل التربتي، المتوفى سنة 1237 ه‍. والسيد الميرزا محمد تقي بن عبد الله المدرس، المتوفى سنة 1280 ه‍. والسيد محمد تقي الچولائي، المتوفى سنة 1280 ه‍. والشيخ الآغا محمد باقر الاصفهاني، المتوفى بعد سنة 1281 ه‍. والشيخ محمد إسماعيل الخراساني المنجم، المتوفى سنة 1288 ه‍. والشيخ محمد علي بن محمد رضا السيستائي، نزيل (عبدال اباد) من محال مشهد الرضا عليه السلام، المتوفى سنة 1334 ه‍. والسيد الميرزا أسد الله الميرزا عسكري المشهدي، كان إمام الجمعة في مشهد المقدسة، توفي سنة 1273 ه‍. والسيد القائمي، والد السيد أبي طالب المتوفى بكراجي 1295 ه‍. والسيد علي بن السيد محمد رضا السيستائي المتوفى سنة 1340 ه‍. والشيخ علي اليزدي الخراساني، أحد العلماء البارزين، والثقات الاجلاء في خراسان، توفي فيها سنة 1311 ه‍. والشيخ محمد علي بن المولى عباس علي الخراساني، حضر درس السيد المجدد الشيرازي خمس سنين في سامراء، ثم رجع إلى خراسان مشهد الامام الرضا عليه السلام وصار هناك مرجعا بارزا، وتوفي سنة 1342 ه‍.
---
[103]

(1/99)

والشيخ علي بن يوسف بن معصوم الجنابذي الخراساني، صحب المولى محمد حسين القمشهي، كما حضر درس الشيخ محمد كاظم الخراساني أيامه الاخيرة، ثم رجع إلى مشهد الرضا عليه السلام وأصبح من علمائها البارزين، توفي قبل سنة 1380 ه‍. والشيخ المولى علي أكبر بن الشيخ حسين النهاوندي الخراساني، أحد العلماء المعروفين في زمانه، وقد درس عند السيد المجدد الشيرازي، والسيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ محمد كاظم الخراساني، والشيخ محمد طه نجف، وغيرهم، توفي سنة 1369 ه‍. وممن عاصرناهم من العلماء المراجع في مشهد الرضا عليه السلام) آية الله المرحوم السيد عبد الله الشيرازي، والذي كان من أكابر العلماء في كربلاء، ثم رحل إلى الكويت، وبعدها استقر في مشهد، إلى أن وافاه الاجل - قدس سره -. وهناك عشرات العلماء والمجتهدين في خراسان يطول ذكرهم قد حملوا القسط الكبير من الاتعاب في توسعة الحوزة العلمية في مشهد الامام الرضا عليه السلام أي في خراسان. كما اتخذت الاستانة المقدسة للحرم الرضوي على عاتقها نشر التراث القديم، من كتب الفقه والاصول والحديث والتفسير والتاريخ وغير ذلك، إضافة إلى هذا النشاط فهناك مؤسسات علمية شأنها التحقيق والترجمة والطبع والنشر، وهذه المؤسسات حاليا تستفيد من الاجهزة الحديثة في برمجة المعلومات وتحقيقها. (خامسا) لكنهو: فتحت بلاد الهند على أيدي المسلمين، وقد توجهت إليها عدة حملات، كانت أولها في زمن عمر بن الخطاب، ثم دخلها جنود المسلمين في زمن أمير المؤمنين علي
---
[104]

(1/100)

ابن أبي طالب عليه السلام، وفي الحكم الاموي احتل المسلمون بعض بلاد السند ونشروا الاسلام هناك، ولما اتسعت الدولة العباسية وعم نفوذها على كثير من البلدان، كانت بلاد السند والهند هي إحدى البلدان التي خضعت للنفوذ العباسي، والذي نتج منه أن دخل عدد كبير من المتنفذين الهندوس في الدين الاسلامي واعتنقوه، وقد تشيع بعضهم وآثر خط أهل البيت ومذهبهم على بقية المذاهب. ومما يذكر أن أحد ملوك الهند قد اهتدى على يدي الامام الصادق بسبب أو آخر، وكان ممن تشيع لاهل البيت عليهم السلام، وقد أرسل بعض الهدايا إلى الامام عليه السلام يعلمه بالهداية (1). سار التشيع بخطى وئيدة في بلاد الهند، بفضل الدعاة من المسلمين زمن الدولة الفاطمية، حيث أرسل المستنصر بالله الفاطمي عبد الله الواعظ إلى اليمن ليتعلم اللغة الهندية (السنسكريتية) ثم يسافر إلى الهند للتبليغ، ولما بلغ حفظه للغة الهندية مبلغا ذهب إلى كجرات الهند، ليمارس نشاطه في الدعوة إلى الله، وبث الدين الاسلامي هناك، وفعلا تم له ذلك بكامل النجاح، حتى أسلم وتشيع أحد كبار عبدة الاصنام وزعيم الوثنية واسمه (المهنت)، ثم أسلم الوزير (بها رمل) الذي كان يقتني أثر (المهنت)، وهو الوزير الاعظم للراجه (سنگيه)، وهكذا انتشر التشيع خلال القرون الوسطى، ثم في زمن السلطان شاه إسماعيل الصفوى أصبح المذهب الرسمي في بلاد السند والهند المذهب الشيعي، وتبع شاه إسماعيل في الطريقة يوسف عادل شاه، ثم ازدهرت الحياة في الهند، وكانت الروح العلمية والادبية على أوج عظمتها أيام محمد علي قطب شاه الحاكم والسلطان الشيعي على البلاد. وكيفما كان، فإن للسلطة الصفوية اليد الطولى، والقدح المعلى لنشر مذهب
---
(1)
تاريخ الشيعة للمظفري: ص 234.
---
[105]

(1/101)

أهل البيت عليهم السلام في بلاد الهند، حيث أرسلوا العلماء والشعراء والمبلغين إلى تلك البلاد، وعززوهم بالمال والدعم المعنوي بغية نشر الهدى، والترويج لمذهب الحق، وفي مقدمة هؤلاء المبلغين هم كبار العلماء وزعماء المذهب: كالحكيم فتح الله، والقاضي نور الله التستري الذي استشهد في الهند، ولم يزل قبره روضة مباركة، ظهرت له فيها كرامات ومناقب، ويؤمه سنويا آلاف من الزوار للتبرك بقبره الطار، والشيخ علي الحزين، وقبره شاخص الى اليوم في مدينة بنارس الهندوسية، ويعود الفضل في تشيع البلد الوثني إلى الشيخ المذكور، ومن العلماء الاماجد: السيد دلدار علي غفران مآب، وابنه السيد محمد وأحفادهم في لكنهو. قامت في الهند عدة دول شيعية، وكان ملوكها متمسكين بدينهم وولائهم لاهل البيت عليهم السلام، حتى شيدوا صرح التشيع في أرجاء الهند، وجعلوا من لكنهو مركزا لدولتهم (أوده) والتي عرف أهلها بإخلاصهم للعلماء، وبذلهم لطلاب العلم وإكرامهم، وإيوائهم. كما أن ملوك هذه الدول اهتموا بالفقراء والمعوزين، وإغاثتهم الملهوف، كما اهتموا بالعزاء الحسيني، وإقامة المآتم، وروجوا للمذهب، فأسسوا المدارس الضخمة والحوزات العلمية، وأكرموا العلماء، وبالغوا في احترامهم، ونشروا تراث الشيعة ومصنفات علمائهم. ومن أشهر ملوك هذه الدولة الشيعية (آصف الدولة) الذي أسس حسينية كبيرة جدا وضخمة في مدينة لكنهو في محلة حسين آباد، وأوقف لها الاراضي الزراعية والعمارات والدكاكين، وهذه الحسينية تعد اليوم من الآثار الاسلامية الشيعية المهمة في الهند، وتقام حاليا فيها الجماعة والجمعة. تعد لكنهو أكبر مدينة شيعية في الهند، وهي عاصمة يوپي () 1 () U. P، إحدى
---
(1) ()
U. P رمز لاسم المقاطعة:) * (. UTTAR PRADESH
---
[106]

(1/102)

مقاطعات الهند، وأكبر جمهورية فيها، إذ يعد سكانها أكثر من مائة مليون نسمة وفي لكنهو - كما تقدم - قامت دولة شيعية لعدة قرون، ولها مآثر وآثار عديدة في البلاد كالحسينيات الضخمة ذات الهندسة الراقية والفن العجيب، وحقا أنها تعد من عجائب الآثار، وبدائع الافكار. كما أن هذه الدولة لشدة تعلقها بأئمة أهل البيت عليهم السلام بنت المزارات الشبيه للمراقد والعتبات المقدسة في العراق، كالنجف، وكربلاء، والكاظمين، وسامراء، والكوفة، وبهذا نجد في لكنهو صورة حية عن الآثار والمراقد والمزارات التي يشاهدها الزائر في العراق. ومن المعالم البارزة في لكنهو المدارس العلمية الكبيرة التي تضم أكبر حوزة في الهند، من هذه المدارس: الجامعة السلطانية، ومدرسة سلطان العلماء، والمدرسة الناظمية، ومدرسة الواعظين، ومدرسة تنظيم المكاتب، وشيعة كالج. لقد تخرج من هذه المدارس والجامعات علماء أفذاذ، ومجتهدين عظام، أثروا المكتبة والمذهب الشيعي بمؤلفاتهم وتصانيفهم، وساهموا في توسيع رقعة التشيع في أطراف الهند المختلفة. لقد برع خطباء الشيعة في الهند إلى حد كبير، حتى صاروا في الآونة الاخيرة هم أهل الحل والعقد، واتجهت غالبية طلاب العلم هناك إلى ممارسة هذا الفن، لما فيه من أثر كبير في النفوس، وهو يدر عليهم من المال ما يسد حاجاتهم الضرورية، ولكونه المورد الرئيسي لمعاشهم، ولم أجد قوما أحكموا فن الخطابة كهؤلاء الهنود - اليوم - ولهم أيادي جميلة واسعة في نشر مناقب وفضائل أهل البيت عليهم السلام. ويجدر بنا أن نذكر بعض علماء الهند، وبالخصوص مدينة لكنهو وتوابعها، فمن أشهر علماء لكنهو: السيد دلدار على، المتوفى سنة 1235 ه‍، وهو صاحب آثار
---
[107]

(1/103)

جليلة وكرامات، وله ورع وتقوى بذ فيها أقرانه، وعلا نجمه حتى شخصه القريب والبعيد، والعام والخاص. ومنهم الشيخ آغا باقر ابن معالج خان الكشميري اللكنهوي، توفي بعد سنة 1222 ه‍. والسيد أولاد حسين الهندي، كان من تلاميذ السيد حسين ابن السيد دلدار علي، توفي سنة 1259 ه‍. والمولوي أمانت علي العبد الله پوري، من تلاميذ السيد دلدار علي. وآخرون غيرهم. والسيد أكبر شاة الهندي، من تلاميذ السيد حسين ابن السيد دلدار علي. والسيد فضل علي خان الهندي، من تلاميذ السيد حسين ابن السيد دلدار علي. والسيد أصغر الهندي، من تلاميذ السيد دلدار علي النقوي. والسيد أعظم علي الهندي، من تلاميذ السيد دلدار علي النقوي. والسيد حامد حسين مؤلف " عبقات الأنوار "، و " استقصاء الأحكام واستيفاء الانتقام في الرد على منتهى الكلام "، ومنزلته بين علماء لكنهو بل الهند عالية مرموقة. والسيد اعجاز حسين الكنتوري اللكنهوي، المتوفى سنة 1286 ه‍. والمولى أشرف علي البلكرامي، من تلاميذ السيد دلدار علي. والمولوي امداد علي بن أحمد علي بن فلندار، كان معاصرا للسلطان أمجد علي شاه، له آثار عديدة، توفي سنة 1290 ه‍. والسيد أنور علي الهندي ابن السيد رستم، من تلاميذ السيد حسين ابن السيد دلدار علي، توفي سنة 1297 ه‍ والسيد محمد باقر بن سلطان العلماء السيد محمد بن السيد دلدار علي، له مؤلفات عديدة، ومقام مشهور، توفي سنة 1270 ه‍
---
[108]

(1/104)

والسيد حميد الدين باقر شاه النقوي، من تلاميذ سلطان العلماء السيد محمد ابن السيد دلدار علي. والسيد بنده حسين بن سلطان لعلماء السيد محمد بن دلدار علي، المتوفى سنة 1295 ه‍. والسيد پناه علي الهندي، من تلاميذ دلدار علي. والمولوي محمد تقي بن أحمد علي بن المولوي محمد علي بادشاه اللكنهوي، كان جده معاصرا للسيد دلدار علي. وممتاز العلماء السيد محمد تقي بن سلطان العلماء السيد حسين النقوي، المتوفى سنة 1289 ه‍. والشيخ المولى جواد بن المولى محمد علي بادشاه الكشميري، نزيل لكنهو، توفي بعد سنة 1233 ه‍. والسيد حسين المرعشي، من تلاميذ السيد حسين ابن السيد دلدار علي. وهناك طائفة من العلماء الأجلاء والمجتهدين، لهم ذكر جميل، وآثار حميدة، يقطنون في لكنهو، ولهم مدارس وحوزات علمية، ونشاط ديني مرموق، كما أن هناك مؤسسات وجامعات علمية ودينية اتخذت على عاتقه تربية الجيل المعاصر، ومن أبرز هذه المؤسسات: " تنظيم المكاتب "، " والجامعة السلطانية "، " وشيعة كولج "، وقد شاهدنا أغلب تلك المؤسسات، ولنا مع علمائهم صلات ودية، وروابط وثيقة أيام إقامتنا في لكنهو. أقول: ما ذكرناه عن المراكز العلمية للشيعة حديثا هي أهمها، والتي بقيت طوال قرون عديدة لم تفل عنها شمس العز والمجد، إلا في فترات وجيزة لظروف وأسباب قد تكون بعضها سياسية.
---
[109]

(1/105)

وإلى جانب تلك المراكز العلمية المهمة في العالم نجد مراكز علمية شيعية بحتة، نبغت لفترة، أو هي لم تزل، إلا أنها أقل شأنا من سابقتها، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، في العراق: مدينه الحلة، والكاظمين، وسامراء، والبصرة. وفي إيران: كل من: إصفهان، وشيراز، وتبريز، وطهران، وأراك وقزوين، وشاهرود، وسبزوار، ونيشابور، ورشت، والاهواز، وكاشان، ومازندران، وبهبهان، وزنجان، وبروجرد، ودزفول، وتستر، وهمدان، وكرمان، وخوي، ويزد. وفي باكستا ن: كراجي، ولاهور، وبيشاور، وملتان، وحيدرآباد الباكستانية، وكجرات. وفي أفغانستان: بلخ، ومرو، وهرات، وقندهار، وغزني. وفي الهند: حيدر آباد الدكن، وفيض آباد، وبومبي، وكشمير، وبنارس، والله آباد، واعظم گر، ورام پور، وجي پور. وفي الشام: حلب، وبعض نواحي دمشق. وفي لبنان جبل عامل، وصور، وصيدا، وجنوب لبنان، وبيروت، والبقاع، وبعلبك. وفي الحجاز والخليج: المنطقة الشرقية، والاحساء، والقطيف، والبحرين، والمدينة المنورة،... وفى اليمن: عدة مدن إلا أن مذهبهم زيدي. وفي آسيا المستقلة: بادكوب، وايروان، ونقشوان (1). وفي تركيا: قارص، واردهان واسطنبول، ودغي بايزيد شرقي ايغدير، چؤرؤم.
---
(1)
سابقا كانت هذه الدول منظمة الى الاتحاد السوفياتى.
---
[110]

(1/106)

وهناك مراكز علمية للشيعة غير التي ذكرناها في مختلف الأقطار العربية والاسلامية، وقد بدأ التشيع يتسع - في أواخر هذا القرن - في جنوب أفريقيا، وأوربا، وفرنسا، وألمانيا، والدول الاسكندنافية، وبريطانيا، والنمسا، وإيطاليا، و إسبانيا، كما انتشر في أمريكا الشمالية والجنوبية، والبرازيل، واستراليا، والفلپين، وكندا. كلين ضبطها جغرافيا قال مرتضى الزبيدي في مادة: كلان - كسحاب -: أهمله الجوهري وصاحب اللسان، وهي (رملة لغطفان)، وضبطه نصر - بالضم -، وقال: رملة في ديار بني عقيل، وكلين (كأمير) هكذا في النسخ، وفي بعضها: كلين - بالكسر -، وضبطه ابن السمعاني: (كزبير). قلت: وهو المشهور على الألسن، والصواب بضم الكاف وإمالة اللام، كما ضبطه الحافظ في " التبصير (ة) بالري، منها: أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني من فقهاء الشيعة ورؤوس فضلائهم في أيام المقتدر، ويعرف أيضا بالسلسلي، لنزوله درب السلسلة ببغداد " (1). وقال الفيروز آبادي، في فصل الكاف باب النون: " كلان - كسحاب - رملة لغطفان، وكأمير، ثم رمز بالحرف (ة) أي قرية بالري، منها: محمد بن يعقوب الكليني،
---
(1)
تاج العروس لمحمد مرتضى الزبيدي: 9 / 322 مادة: " كلان ".
---
[111]
الفصل الثاني نشأة الكليني الاولى كلين: ضبطها جغرافيا الكليني: اسمه ولقبه ومولده مدينة الري تأريخيا نشأة الكليني العلمية الاولى - مشايخ الكليني وممن روى عنهم - تلاميذ الكليني وممن روى عنه - أقول العلماء فيه - مؤلفاته - وفاته وقبره
---
[113]

(1/107)

كلين ضبطها جغرافيا قال مرتضى الزبيدي في مادة: كلان - كسحاب -: أهمله الجوهري وصاحب اللسان، وهي (رملة لغطفان)، وضبطه نصر - بالضم - وقال: رملة في ديار بني عقيل، وكلين (كأمير) هكذا في النسخ، وفي بعضها: كلين - بالكسر - وضبطه ابن السمعاني: (كزبير). قلت: وهو المشهور على الالسن ; والصواب بضم الكاف وإمالة اللام، كما ضبطه الحافظ في " التبصرة (ة) بالري، منها: أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني من فقهاء الشيعة ورؤوس فضلائهم في أيام المقتدر، ويعرف أيضا بالسلسلي ; لنزوله درب السلسلة ببغداد " (1). وقال الفيروز آبادي، في فصل الكاف باب النون: " كلان - كسحاب - رملة لغطفان، وكأمير، ثم رمز بالحرف (ة) أي قرية بالري، منها: محمد بن يعقوب الكليني،
---
(1)
تاج العروس لمحمد مرتضى: 9 / 322 مادة: " كلان ".
---
[114]
من فقهاء الشيعة (1). وهناك قرية بالري تسمى كيلين على وزن (سيرين)، منها: محمد بن صالح بن أبي بكر بن نوبة الكيليني الرازي، روى عنه حمزة الكناني (2). وقال المولى أحمد النراقي في " عوائد الايام ": " القرية موجودة الان في الري، في قرب الوادي المشهور بوادي الكرج وعبرت عن قربه، وهي مشهورة عند أهلها وأهل تلك النواحي جميعا بكلين - بضم الكاف وفتح اللام المخففة - وفيها قبر الشيخ يعقوب (3) والد الشيخ أبي جعفر " (4). والمتحقق أن بلاد الري كانت في القديم واسعة جدا، بحيث تصل إلى أطراف قم من جهة، وإلى قزوين من جهة ثانية، قال المقدسي: وللري، قم، ساوة، آوة، قزوين، أبهر، زنجان، شنلبة، ويمة. ثم قال: ولها من المدن آوة، ساوة، قزوين، أبهر شنلبة، الخوار، ومن النواحي: قم، دماوند، شهرزور (5). وقال حمدالله المستوفي في " نزهة القلوب ": " سيوم ناحيت: ناحيت فشابويه است، ودر اوسي پاره ديه است: كوشك، وعلي آباد، وكيلين، وجرم، وقوچ، اغاز معظم قراى آنجاست " (6).
---

(1/108)

(1) القاموس المحيط لمجد الدين الفيروز آبادي: 4 / 263، م المكتبة التجارية بمصر. (2) تاج العروس: 9 / 322 منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ط 1، 1306 ه‍ (3) عوائد الايام للشيخ أحمد النراقي ت 1235 ه‍: ص 297 ط حجرية، منشورات مكتبة بصيرتي قم 1408 ه‍. (4) أقول: لقد التبس على الشيخ النراقي في نسبة القبر الذي مر به، حيث نسبه إلى والد محمد السمري ; أبو الحسن علي بن محمد من نواب صاحب الامر، والحال أن القبر هو لوالد الشيخ الكليني. ولعله من سهو النساخ. (5) أحسن التقاسيم للمقدسي: ص 51 و 386. (6) نزهة القلوب لحمد الله المستوفي، المتوفى في نصف الثاني من القرن الثامن، ألف كتابه
---
[115]
أقول: والاشتباه واضح جدا فيما أفاده المستوفي، حيث أطلق كيلين وجعلها إحدى قرى فشابويه (1)، والصحيح أن يقول: كيلين - بياء واحدة -، وقد عرفت أن (كيلين) هي قرية من قرى ورامين، وما قاله صاحب " القاموس " في ضبط كلين - بالفتح - أنها (كأمير) قرية بورامين، إلى حد ما صحيح، لكن قبر الشيخ يعقوب بن إسحاق والد الشيخ محمد، ليس في ورامين، بل المتعين أنه في ناحية من نواحي جنوب غرب المدينة، أي على مقربة من انتهاء نهر كرج (2)، وهي قرية كلين - بالضم - التابعة الى رستاق (3) بشابويه (4)، وقد صرح جملة من المؤرخين
---

(1/109)

< - المتقدم سنة 740 ه‍، انظر المقالة الثالثة: ص 53. (1) قال محمد بادشاه: دهستان بشاويه در جنوب دهستان غار واقع است، وبدين عهد 54 ديه دارد. أسامي دهات كشور: 1 / 249. (2) الري ونواحيها وقراها كانت تسقى بواسطة ثلاثة أنهر، والتي تغذيها الجبال المحيطة بالمنطقة، النهر الاول: يسمى جاجرود (رود جاجرود)، وهو ينبع من جبال دماوند، شمال طهران الحالية، ويصب إلى الجنوب، وينتهي في أطراف الري بعد ما يتفرع إلى جداول صغيرة ليسقي قرى الري الشمالية، والشرقية، والجنوب الشرقي، ثم يتلاشى في الاراضي الجنوبية، وطول هذا النهر 30 فرسخا. والثاني: يسمى بنهر كرج (رود كرج)، وهذا ينبع من جبال طالقان ليمر بقزوين فيصب بأراضيها، وتستفيد من مياهه منطقة ساوجبلاغ، حيث يتفرع هناك إلى عدة فروع ليسقي أراضيها الزراعية، ثم يمتد هذا النهر إلى منطقة: شهريار، والري، وينتهي في القسم الجنوبي الغربي لمدينة الري في رستاق بشاويه، وبأراضي كلين وكوشك، وطول هذا النهر خمس وعشرون فرسخا. والثالث: يسمى بنهر كردان، وهو ينبع كذلك من حدود جبال طالقان ويصب في مدينة الري، وينتهي بأراضيها الجنوبية. انظر نزهة القلوب المقالة الثالثة: ص 220، ط ليدن. (3) الرستاق: معرب (روستا) والتي تعني القرية، والرستاق تستعمل دائما للمناطق الريفية أو الزراعية، أما (كاه) فتستعمل للمناطق الآهلة بالسكان المعمورة ; كالمدن التجارية والصناعية والاماكن المقدسة. قال الحموي: " إنهم يعنون بالرستاق كل موضع فيه مزارع وقرى (الى أن - >
---
[116]
بذلك ; كالسمعاني (5)، والعسقلاني (6)، والساروي (7)، والمجلسي (8). والحقيقة الثابتة أن في الري مدينتين بعنوان (كلين)، أحدها: في جنوب شرق المدينة (كلين)، والتي هي على وزن أمير - بالتكبير، بفتح الكاف بعدها لام ثم يا ونون - وهي من قرى ورامين، وربما تزاد الياء بعد الكاف المكسورة ثم لام وياء
---

(1/110)

< - قال): فهو عند الفرس بمنزلة السواد عند أهل العراق ". معجم البلدان: 1 / 40 - 41. وفي القرن الثالث الهجري كانت الري فيها سبعة عشر رستاقا - والرستاق يتبع إداريا إلى الاستان الذى هو أكبر وحدة إدارية، ويقابله عند العرب: المقاطعة، والرستاق بمنزلة المحافظة قال ابن الفقيه في مختصر كتاب البلدان: والري سبعة عشر رستاقا، ومنها: الخوار، ودنباوند، وويمة، وشلنبته، هذه التي فيها المنابر. مختصر كتاب البلدان: ص 274 ط ليدن. والمنبر: كناية عن وجود مسجد جامع، الذي تقام فيه الجمعة والجماعة، وهذا يعني أنها مدن وليست قرى. وقال الاسطخري: " وللري سوى هذه المدن قرى تزيد في الكبر على هذه المدن كثيرا، مثل: سد، وورامين، وأرنبويه وورزنين، ودزاه، وقوسين، وغير ذلك من القرى... " المسالك ص 123، وقال أيضا: " ومن رساتيقها المشهورة: قصران ; الداخل والخارج، وبهزان، والسن، وبشاويه، ودنباوند، ورستاق قوسين، وغير ذلك... " المسالك: ص 123 وأحسن التقاسيم: ص 386. (4) بشابويه ; وتلفظ مرة: فشابويه، واخرى: فشاويه، وثالثة: بشاويه، ورابعة: فشافويه، وربما اختصرت فكانت: با. انظر صورة الارض لابن حوقل: ص 322، وجنة النعيم: ص 503، ونزهة القلوب: المقالة الثالثة ص 54، وكتاب أسامي دهات كشور: 1 / 249، وري باستن: 2 / 509. أما القرى التابعة إلى بشابويه فهي كثيرة جدا، وقد وصل عدد قراها إلى 54 قرية، قالت موسوعة الاحصاء في كتابها أسامي دهات كشور الطبعة الثانية 1329 ه‍ شمسي: دهستان بشاويه در جنوب دهستان غار واقع است، وبدين عهد 54 ديه دارد. 1 / 249. (5) الانساب للسمعاني: ورقة 486 ب. (6) التبصير لابن حجر العسقلاني كما نقله صاحب الروضات: ص 551. (7) توضيح الاشتباه لمحمد علي الساروي: ورقة 37. (8) مرآة العقول للمجلسي: 2 / 2.
---
[117]

(1/111)

ونون، فتكون اللفظة كيلين، على وزن سيرين، وسيأتي التفصيل في كلين بكسر الكاف. والمدينة الثانية: كلين - بضم الكاف - على وزن زبير - بالتصغير - هي التي تقع إلى جنوب غربي مدينة الري من رستاق بشابويه، والذي ينتهي عندها تقريبا نهر كرج النابع من جبال الطالقان، وفي كلين قبر الشيخ يعقوب بن إسحاق الكليني. قال العلامة الحلي: " الكليني - مضموم الكاف مخفف اللام - منسوب إلى كلين قرية من الري " (1). أما السمعاني فقال: " الكليني - بضم الكاف وكسر اللام - وبعدها الياء المنقوطة باثنتين من تحتها في آخرها النون - هذه النسبة إلى كلين، وهي قرية بالري، والمشهور بالنسبة إليها أبو رجا الكليني " (2). وقال ياقوت الحموي: " كلين: المرحلة الاولى من الري لمن يريد خوار على طريق الحاج (3)، والقرية الموجودة حاليا تبعد عن جنوب غربي مدينة الري ب‍ 38 كيلومتر، وبينها وبين الطريق الذي يربط قم بطهران فاصلة تقدر بخمس كيلو مترات من شرقي الطريق " (4). قال الميرزا محمد التنكابني: " كلين - بضم كاف وفتح لام است - چنانكه علامة وشيخ الطايفة شيخ طوسي بدان تصريح كرده اند، واز مشايخ خلفا عن سلف بدين وجه مسموع گشته، وبالفعل نيز در ألسنة أهالي آن ولايت يعني: ري وتوابع
---
(1)
رجال العلامة الحلي للحسن بن يوسف ت 726: باب أحمد ص 18. (2) الانساب لعبد الكريم السمعاني ت 562 ه‍: 10 / 463، تحقيق عبد الفتاح الحلو، ط 1 بيروت 1981 م. (3) معجم البلدان للحموي: 4 / 303. (4) فرهنگ جغرافيائى إيران: 1 / 183.
---
[118]

(1/112)

آن بدين وجه قرائت مى شود " (1). اما كلين - بالكسر - فيبدو أنها مع الياء بعد الكاف، أي تكتب كيلين - بكسر الكاف بعده الياء. ثم لام مكسورة بعدها ياء ونون - إلا أن في أسامي دهات كشور ضبطها كلين - بكسر الكاف واللام - كما يلفظها أهل ورامين. kileen ثلاث قرى في دهستان بهنام سوخته من نواحي ورامين، وهي قلعة كلين، كلين خاصة، ده كلين أو كلين سادات (2). وقد تقرأ (گلين) بالكاف الفارسية المكسورة. قال محمد پادشاه: " گلين بكسر كاف فارسي منسوب بگل را گويند. نام ده أي در حوالي ري كه قلعه اي كلين داشته، ومنسوب بدا بخارا گليني مى خوانده، وكلين بكاف عربي همانا معرب آن باشد " (3). ولا يخلو من اشتباه المصنف، حيث تغير الكاف العربية إلى الكاف الفارسية لا يعني تغير ضبطها كذلك، فلو سلمنا في تغير حرف الكاف العربية إلى الفارسية فلابد من إبقاء حركتها، فتكون كلين - بكسر الكاف أو الكاف الفارسية - هي من أعمال كلين بهنام سخته التابعة إلى ورامين. ومما يؤيد ذلك ماقاله المقدسي في " احسن التقاسيم ": " من الري إلى كيلين مرحلة، ثم إلى كيس مرحلة، ثم إلى الخوار مرحلة " (2). فلو اشبعت حركة الكاف المكسورة رسمت بعدها ياء، فإن كلين - مكسورة
---
(1)
قصص العلماء للميرزا محمد التنكابني: ص 396، ط طهران، المكتبة العلمية. (2) أسامي دهات كشور: 1 / 81. (3) آنندراج لمحمد بادشاه متخلص بشاد رقم: 3 / 53، ط الهند 1892. (4) أحسن التقاسيم: ص 400.
---
[119]

(1/113)

الكاف -: مرة تكتب بعدها الياء ومرة تحذف، ومهما يكن من أمر فإن كلين - بكسر الكاف بعدها لام - أو كيلين - بكسر الكاف بعدها ياء - أو گلين - بكسر الگاف الفارسية بعدها لام - أو گيلين - بكسر الكاف الفارسية بعدها ياء -، الجميع بمعنى واحد، ويراد بها كلين الواقعة في جنوب شرقي مدينة الري، وهي من قرى ورامين، حيث ان كيس والخوار واقعان فيها. وقد اشتبه الدكتور حسين كريمان لما جعل هذه التسمية (كلين) من أعمال كلين فشابويه (1) حيث عرفت أن رستاق فشابويه يقع إلى الجنوب الغربي من مدينة الري أما رستاق خوار فهو إلى الجنوب الشرقي من مدينة الري، والذي تقع فيه كيس أو كيلين أو كلين - بكسر الكاف -. ثم الاشتباه الاكبر والعجيب ما قاله الحموي في معجم البلدان، قال: " كلين المرحلة الاولى من الري لمن يريد الخوار على طريق الحاج " (2). والصحيح أن كلين - بضم الكاف - إذا عدت المرحلة الاولى من الري على طريق الحاج فلا دخل لمن يريد الحج أن يسلك طريق الخوار، حيث أن هذا الطريق يسلك بالمار أو الحاج إلى شرق البلاد، إذا ليس هو المقصود. والحاج عندما يسلك لابد أن يتخذ طريقا سبيله إلى جنوب غرب البلاد، مارا بإصفهان، ثم الاهواز، ثم البصرة، وبعدها إلى الديار المقدسة في الحجاز، أو يسلك طريقا آخر عبر العراق باتجاه الكوفة، أو يسلك طرقا اخرى بهذا الاتجاه. وإذا احتملنا وجود طريق آخر للحاج يسلكه عبر خوار، فمن الانسب أن تكون كلين - بكسر الكاف - هي المرحلة الاولى من الري لمن يريد خوار على طرق
---
(1)
ري باستان: 2 / 614. (2) معجم البلدان: 4 / 303.
---
[120]

(1/114)

الحاج ; لان الفاصلة بين كلين - مكسورة الكاف - من قرى بهنام ورامين وبين خوار قليلة جدا إذا ما قيست بالفاصلة بين كلين - مضمومة الكاف - وبين خوار. فانتبه، إنه تحقيق دقيق. ومما يثير الغرابة الميرزا عبد الله أفندي عندما تحير في نسب الشيخ الكليني، وإلى أي القريتين ينتسب، قال: " الذي سمعناه من أهل طهران، الذي هو المعهود من بلاد الري قريتين: اسم إحداهما كلين - على وزن أمير - والاخرى كلين - على وزن زبير - ولا يبقى نزاع في المقام، ولكن لا يعلم أن محمد بن يعقوب من أي القريتين، ولا يظهر وجه تصحيح السمعاني هذه النسبة بأنها بضم الكاف وكسر اللام، إذ لم أجد في موضع آخر كون كلين - بضم الكاف وكسر اللام - قرية بالري، ولعلها في غير الري، فلاحظ. ولو صح ذلك، أعني القول بأن الكليني - بضم الكاف وكسر اللام - فلعله نسبة إلى إحدى القريتين المذكورتين، ويكون كسر اللام فيه من باب التغيرات للنسب، فلاحظ " (1). أقول: إن كلين - بضم الكاف - قد ضبطتها القواميس والمعاجم - وقد تقدم -، وهكذا بالنسبة إلى كلين بكسر الكاف أو فتحها. ويبقى الكلام بالنسبة إلى اللام: قال الشهيد محمد بن محمد بن حامد بن مكي في إجازته للشيخ علي بن الحسن ابن الخازن الحائري في عام 784 ه‍... الكليني بتشديد اللام (2). وقال البهبهاني، محمد باقر: " وفي حاشية البلغة: ضبطه بعض الفضلاء بكسر الكاف، وتشديد اللام المكسورة " (3).
---
(1)
رياض العلماء للميرزا عبد الله أفندي: ص 238. (2) بحار الانوار: 107 / 190 ط 3 بيروت 1983. (3) تعليقات محمد باقر: ورقة 164 ب.
---
[121]

(1/115)

وقال النراقي: " الكليني بضم الكاف وتخفيف اللام منسوب إلى كلين، قرية من قرى الري، ونحوه في بعض لغات الفرس، وحكي عن الشهيد الثاني أنه ضبطه في إجازته لعلي بن حارث الحائري: الكليني بتشديد اللام " (1). أقول: إن الذي حكي عن الشهيد الثاني قد اشتبه في إسناد إجازة الشهيد لعلي بن حارث الحائري، والصحيح - كما تقدم -: علي بن الحسن ابن الحارث الحائري. أما تشديد اللام المنقول عن إجازة الشهيد الثاني فلا أعرف أحدا سبقه إلى هذا الضبط، بل واحتمل فيه السهو من قلمه الشريف. إلى هنا سلمنا - ومن خلال تحقيقنا الدقيق - أن كلين إحدى قرى الري، فمن الغريب جدا أن ينفرد عباس فيض في كتابه " گنجينة آثار قم " لقوله، فيجعل كلين تابعة إلى قم، بل يرجع هذه النسبة إلى كتاب " تاريخ قم المترجم "، فيدعي المصنف أن في المرة الاولى - من التعديل الاداري - استقطعت قرى من إصفهان وهمدان والحقت بقم، ثم إن بعض قرى الري توسطت هذه القرى الملحقة جديدا بقم، لذا لابد من تسويت القرى إلا أنهم لم يلحقوا بقم شيئا من قرى الري. ثم قال: ولما كان العرب أهل حشمة وقدرة وإمكانية، فقد اشتروا أكثر قرى " خوي " التي لحقها الخراب وعمروها وشقوا فيها القنوات والترع، لهذا في المرحلة الثانية الحق بقم 94 قطعة معمورة وخراب والتي كانت تابعة سابقا إلى همدان، ومن مدينة ري استقطعت " خوي "، وفي الاصل: " خوار " ومن إصفهان استقطعت رستاق " قاسان "، ورستاق " اردهال كنوني " والحقتا بقم أيضا، ومن خوي (خوار التابعة إلى الري) استقطعت منها 32 قرية والحقت كذلك، و " كلين " قرية من
---
(1)
عوائد الايام: ص 297.
---
[122]
"
خوار " فضمنا الحقت بقم. وهذا شئ غريب من الناحية التاريخية والجغرافية بالنسبة للقرن الثالث والرابع الهجري (1). وإليك خارطة مفصلة بخصوص رساتيق الري، بينا فيها نواحي الري وقراها - قديما - كما تجد في الخارطة موضع كلين بالضم، والثانية بالفتح فتأمل.
---

(1/116)

(1) وقد آثرنا نقل النص الفارسي كي يطلع القارئ، قال فيض: " دهكده كلين از مضافات قم بود، واين دهكده از مضافات قم بوده است، چنانكه در ترجمة إصفهان وهمدان جدا كرده به قم افزوده اند ميپردازد، چنين مى افزايد كه از إصفهان چهار رستاق، واز نهاوند وهمدان هم طسوجهائي جدا ساخته ضميمه قم ساختند، واين شهر را از إصفهان تجزيه ومستقل گردانيدند، وچون ميانه دهكده هاي ري با دهكده هاي قم شوره زارى قرار داشت، كه رستاق هاي قم را از رساتيق ري جدا مى ساخت از شهر ري چيزي به قم نيفزودند. وچون عرب صاحب حشمت ومكنت گرديده أكثر دهكده هاي خوي را كه خرابه بود خريداري كرده به عمران آنها، وحفر قنوات پرداختند براي نوبت دوم: از ناحيت روده كه از جمله نواحي همدان بود نود وچهار تخته از آباد وخراب، واز ناحيت ري رستاق خوي، واز ناحيت اصفهان به جزء نوبت اول رستاق قاسان ورستاق وراردهسار (اردهال كنوني) را به قم افزودند وجزء مضافات آن در آوردند، واز رستاق خوي سي ودو ديه تابع قم گرديد. وآنچه كه اصفهاني در تاريخ خود آورده است كه از ضياع ري هيچ جيز با قم اضافت نكرده اند، ودر محوزة آن نگرفته اند غلط وسهو است، ودرست وحقيقت آنست كه از ري بيستر رستاقهاي خوي با قم اضافت كرده اند، وكتاب ري هم بر اين أمر باطق است. (إلى ان يقول:) بنابراين رستاق خوي جزء مضافات قم بوده است، كه كلين هم يكي از دهكده هاي آن شمرده مى شده است " گنيجنه آثار قم: 1 / 225 - 226.
---
[124]
الكليني اسمه ولقبه ومولده: أبو جعفر (1) محمد بن يعقوب (2) بن إسحاق (3)، الكليني (4) الرازي (5)
---

(1/117)

(1) أبو جفر الاعور، رجال الطوسي، فيمن لم يرو عن الائمة عليهم السلام ص 495، معالم العلماء: ص 99. لقد تفرد الشيخ الطوسي - من بين القدماء - بإطلاق هذه الكنية على الشيخ الكليني - قدس سره - ولم يتابعه ممن تأخر عنه الا ابن شهر آشوب المتوفى بعد الشيخ الطوسي بأكثر من قرن وربع القرن، إذ كانت وفاة الطوسي 460 ه‍ ووفاة ابن شهر آشوب 588 ه‍، علما أن في " الفهرست " لم تذكر كلمة (الاعور). كما أن المحدث النوري ذكر هذه الصفة عند ذكره لحادثة نبش قبر الكليني من قبل والي بغداد. انظر المستدرك: 3 / 527. (2) وقيل: محمد بن علي، كما في " الكامل " لابن الاثير: 8 / 128 وهو اشتباه، وربما خلط ذكره مع محمد بن علي بن يعقوب بن إسحاق بن أبي قرة. (3) رجال النجاشي: ص 377، رجال العلامة الحلي: ص 145، رجال ابن داود، القسم الاول ص 187. (4) رجال النجاشي: ص 377، رجال الطوسي: ص 495، الفهرست: ص 135، معالم العلماء: ص 99، رجال ابن داود: ص 187 القسم الاول منه، رجال العلامة الحلي: ص 145. (5) رجال النجاشي: ص 377، تنقيح المقال: 3 / 201، الكنى والالقاب: 3 / 98. لسان
---
[125]

(1/118)

السلسلي (1)، البغدادي (2) ثقة الاسلام (3) سكن بغداد وحدث بها (4). أطبقت المصادر القديمة والحديثة على عدم ذكر سنة ولادته ومكان تولده وكم هو عمره، حيث أن حياته ونشأته الاولى مجهولة، ولا يمكن القطع بأي تاريخ على وجه التعيين لسنة ولادته، وكل الذي بأيدينا أنه ولد في زمان الامام العسكري عليه السلام (5). نعم من الممكن أن نقول: إن نشأته الاولى أنها كانت في الري، حيث كان أبوه هناك ودفن فيها، فلا يستبعد من كونه قد ترعرع ونشأ في حجر والده، وأخذ عنه في أوائل سنينه، ثم درس بعد ذلك على مشايخ عصره، وفطاحل العلماء في وقته الذين كانوا في بلاد الري، كما لا يستبعد أنه أخذ عن المشايخ القميين بعد ما شد الرحال إليهم. والذي نعرفه أنه ينتسب إلى بيت أصيل طيب معروف في الري، وقد عرف من رجال هذا البيت عدة من العلماء وحملة الحديث والفقه، منهم: خاله أبو الحسن علي بن محمد المعروف بعلان، ومحمد بن عقيل الكليني، وأحمد بن محمد أخ أبي الحسن. وقد تولى رئاسة فقهاء الشيعة والامامية كما صرح به تاج العروس، وذلك زمن المقتدر بالله العباسي. كان بيته مأوى العلماء، ومجلسه محفلا للعلم والبحث والمناظرة، يقصده
---
الميزان: 5 / 433. (1) لنزوله درب السلسلة ببغداد، تاج العروس: 9 / 322، معجم المؤلفين: 12 / 116. (2) لسان الميزان: 5 / 433. (3) تنقيح المقال: 3 / 201، الكنى والالقاب: 3 / 98. (4) لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ت 852 ه‍: 5 / 433، ط 2، 1971 م، مؤسسة الاعلمي - بيروت. (5) عين الغزال: ص 1، وفي مقدمة بعض مترجمي الكافي أنه ولد مقارنا بولادة الحجة عليه السلام عام 255 ه‍، ثقة الاسلام كليني: ص 5.
---
[126]

(1/119)

الخاص والعام من أهل العلم والعلماء. أما والده يعقوب الكليني فيعد من كبار علماء الامامية زمن الغيبة الصغرى في " كلين " التي آلت إلى الخراب، حيث هناك مدفنه، وله قبة قديمة، ومزار معروف على أن " كلين " كانت سابقا تابعة إلى بلاد الري، إلا أنها ضمت إلى قم مع مجموعة من القرى والنواحي، وهي اليوم تقع بالقرب من قرية حسن آباد (1). كيفما كان، فإن محمد بن يعقوب الكليني، الذي ينتسب إلى كلين، إن كانت كلين من توابع قم فقد تقدم الحديث، وإن كانت كلين إحدى نواحي بلاد الري فهذا ما سيأتي الحديث عنه إن شاء الله. سبق وأن أشرنا إلى ما وصفه الشيخ الطوسي أبا جعفر الكليني بالاعور، ولاجل ذلك احتمل البعض أن الشيخ الكليني أدرك وتشرف بحضور الحجة عليه السلام، وذلك لما رواه الشيخ الصدوق - قدس سره - بسنده عن أبي نعيم الانصاري الزيدي، كنت بمكة عند المستجار وجماعة من عند المقصرة، فيهم المحمودي، وعلان الكليني وأبو هاشم الديناري، وأبو جعفر الاحول الهمداني، وكانوا زهاء ثلاثين رجلا... (إلى ان قال:) إذ خرج علينا شاب من الطواف، عليه إزاران محرم بهما، وفى يده
---
(1)
قال عباس فيض في كتابه گنجينة آثار قم: " شيخ المشايخ محمد بن يعقوب كليني، پدر بزرگوارش از علماي بزرگ زمان غيبت صغرى شمرده شده است، كه دفنش در دهكده مخروبه كلين داراي بقعة وقبة قديمي ومزار عمومي است، واين دهكده با حصار مخروبه ومتروكه اش در سه كيلومتري راه قم به تهران نزديك قرية حسن آباد واقع است، وچه بسا كه حسن آباد از قراء احداثي عرب أشعري بجاي كلين بوده باشد. واين دهكده از مضافات قم بوده است، چنانكه در ترجمة تاريخ قم پس از آنكه در نوبت أول به بيان رستاقهائي كه از إصفهان وهمدان جدا كرده به قم افزوده اند.. " گنجينه آثار قم لعباس فيض: 1 / 225 ط 1، 1349، مطبعة مهر استوار قم.
---
[127]

(1/120)

نعلان، فلما رأيناه قمنا جميعا هيبة له (1). ولا يخفى أن الاسم الذي ذكره أبو نعيم الانصاري هو: أبو جعفر الاحول الهمداني. أقول: فلو قلنا: أن الاحول هو المراد به الاعور فلا ضير في ذلك، غير أن الاشكال الآخر يأتي في اللقب، فعلاوة على ما تقدم من اختلاف من الكنية والوصف فإن لقب ثقة الاسلام قد عرف بالكليني الرازي. وقال السيد الطباطبائي بحر العلوم: " وقد علم من تاريخ وفاة هذا الشيخ رحمه الله أنه قد توفي بعد وفاة العسكري عليه السلام بتسع وستين سنة، فإنه قبض عليه السلام سنة مائتين وستين، فالظاهر أنه أدرك تمام الغيبة الصغرى، بل بعض أيام العسكري عليه السلام أيضا " (2). لما تقدم استطيع أن أقول: إن ولادة الشيخ الكليني كانت بعد ولادة الامام الثاني عشر - ارواحنا له الفداء - بمدة يسيرة، وهذا يعني أنه ولد بين 254 ه‍ و 260 ه‍، لكن لم نجد دليلا قطعيا يثبت ذلك، وربما يقوي الاحتمال المتقدم - أنه ولد زمن العسكري عليه السلام - ما قاله الشيخ في مقدمته للكتاب من أنه صنف الكافي بالتماس من كان يحب أن يكون عنده كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون الدين ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد. وقد تعارف بين أرباب العلم أن التماس الطالب أو المحب من استاذه أو من ذاع صيته بين العلماء أن لا يقل عمر الملتمس منه عن خمسين سنة، وإذا تنزلنا
---
(1)
كمال الدين: الجزء الثاني، باب 43 في ذكر من شاهد القائم عليه السلام ورآه وكلمة، الحديث 24. (2) الفوائد الرجالية لبحر العلوم: 3 / 336.
---
[128]

(1/121)

فنقول: أن لا يقل عمره عن أربعين سنة، ولما ثبت بالاخبار المتواترة المنقولة في كتب الرجال أن الشيخ الكليني أمضى في تأليف " الكافي " عشرين سنة، فيكون عمره حتى انهائه للكتاب ستين سنة. ثم لما ذكرت كتب التراجم والسيرة أن الكليني كان شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم كما نص عليه النجاشي وغيره، فهذا يدلل أن شيوع الكتاب - الكافي - بين علماء الاصحاب لابد من مدة زمنية، وإلا كيف يكون الشيخ وجها لا معا في الري ما لم تمض عليه سنين طويلة في الدرس والبحث والتصدي لامور المذهب... ؟ ! ثم انتقاله إلى بغداد أيضا، والتصدي إلى التدريس، واجتماع العلماء حوله، وقراءة الكافي على جملة من تلامذته ورواته أيضا يحتاج إلى ما لا يقل عن بضع سنين. فلو سلمنا بهذه الاحتمالات فنستطيع القول أن الكليني ناهز على السبعين، وبما أن وفاته معلومة وعلى أصح الروايات سنة 329 ه‍ فيكون عمره بين 69 و 75 سنة.
---
[129]

(1/122)

مدينة الري تأريخيا تقدم الحديث عن قم مفصلا - قديما وحديثا - وبينا مدى أهمية قم العلمية والدينية وأنها قلعة التشيع زمن الائمة المعصومين عليهم السلام، حتى صدرت في فضلها منهم عليهم السلام اخبار عديدة، لهذا قصدها العلماء ومشايخ الطائفة منذ القرن الثاني الهجري، وحتى اليوم. ثم علماء قم ومشايخها كانت لهم صلات ومراسلات بينهم وبين علماء بغداد، والكوفة، والبصرة، والمدينة المنورة، وخراسان، وإصفهان، وقزوين، والري، حتى كان بعضهم يتنقل بين هذه المدن والبلدان، فيلتقي بالعلماء ويأخذ عنهم معالم دينه، ويروي ما وصل إليهم من أحاديث وأخبار أهل البيت عليهم السلام. ولما كان الشيخ محمد بن يعقوب الكليني هو أحد اولئك الذين جابوا البلدان، واتصل بكبار مشايخ الامامية وأخذ عنهم وروى اصولهم، ولما كان أصله من " كلين "، وهي متأرجحة بين أن تكون من توابع قم - وهذا مما سبقت إليه الاشارة - وبين أن تكون من توابع بلاد الري - جنوب طهران -، وقد رجحنا القول الثاني،
---
[130]

(1/123)

لان يعقوب الكليني لا زالت مقبرته هناك في كلين التي هي من أعمال الري وإحدى قراها، فرأينا من المناسب أن نتحدث عن بلاد الري تأريخيا، وعن أعيانها والسادات والاشراف الذين نزلوا فيها، والمذاهب التي كانت لها الغلبة في المدينة، وغير ذلك من الامور التي خلقت أجواءا خاصة لينشأ فيها الشيخ الكليني، ثم في أواخر عمره يهاجر من الري إلى بغداد حتى يوافيه الاجل المحتوم هناك. الري: مدينة مشهورة قديما وحديثا، تقع في جنوب طهران الحالية، وهي محط الحاج على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال كما ذكره الحموي، معروفة بفواكهها وخضرواتها طيلة أيام السنة، من محاصيلها الزراعية والفاكهة: العنب، والخس، والجوز، والتين، والخوخ. يروى - نقلا عن بعض تواريخ الفرس - أن (كيكاووس) كان قد عمل عجلة وركب عليها آلات ليصعد إلى السماء، فسخر الله سبحانه الريح حتى علت به إلى السحاب ثم ألقته في بحر جرجان، فلما قام (كيخسرو) بن (سياوش) بالملك حمل تلك العجلة وساقها ليقدم بها إلى بابل، فلما وصل الى موضع الري قال الناس: بري امد كيخسرو، واسم العجلة بالفارسية " ري "، وأمر بعمارة مدينة هناك، فسميت الري بذلك، قال العمراني: الري بلد بناه فيروز بن يزدجرد، وسماه رام فيروز، ثم ذكر الري المشهورة بعدها وجعلها بلدتين (1). قال ابن الكلبي: سميت الري بري رجل من بني شيلان بن أصبهان ابن فلوج، قال: وكان في المدينة بستان فخرجت بنت ري يوما إليه فإذا هي بدراجة تأكل تينا، فقالت: بور انجير، يعني أن الدراجة تأكل تينا، فاسم المدينة في القديم:
---
(1)
معجم البلدان: 3 / 116.
---
[131]

(1/124)

" بور انجير "، ويغيره أهل الري فيقولون: " بهورند " (1). وعن القزويني - نقلا عن ابن الكلبي - قال: " بناها هوشنج بعد كيومرث، وقال غيره: بناها راز بن خراسان، لان النسبة إليها رازي " (2). وكانت الري كسائر البلاد الايرانية تلتزم عبادة النار، أي أنها زرادشتية، ففي سنة 19 أو 20 ه‍ أمر عمر بن الخطاب عامله على الكوفة وهو عمار بن ياسر - رضى الله عنه - بعد فتح نهاوند بشهرين أن يبعث عروة بن زيد الخيل الطائي إلى بلاد الري ودستبي ليفتحها، وقد تم ذلك وسار عروة بن زيد الطائي، الا أن أهالي الديلم اجتمعوا عليه وأمدوا أهل الري، فاقتتلوا فيما بينهم حتى استباحهم عروة وانتصر عليهم. وقد جدد بناؤها عدة مرات، منها: أن المهدي لما قدمها في خلافة المنصور العباسي عام 158 ه‍ أمر ببنائها، وعمل حولها خندقا، وبنى فيها مسجدا جامعا، وكان تنفيذ ذلك على يد عمار بن أبي الخصيب، فالمدينة أصبحت تشتمل على قسمين، ما كان داخل السور أو الخندق تسمى بالمدينة، وما كان خلف الخندق تسمى بالمدينة الخارجة. وقيل الذي تولى عمارتها - بأمر المهدي - هو ميسرة التغلبي، احد قواد المهدى، والذي بنى فيها سجنا كبيرا، وقد خرب هذا السجن فجدده رافع بن هرثمة سنة 278 ه‍ وبعد رافع خربه أهل الري. صفة البلدة: حكى الاصطخري أنها كانت أكبر من اصبهان، ثم قال: وليس بالجبال بعد * (هامش) (1) المصدر السابق: 3 / 117. (2) آثار البلاد وأخبار العباد: ص 375.
---
[132]

(1/125)

الري أكبر من اصبهان، والري مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها وان كانت نيسابور أكبر عرصة منها، وأما اشتباك البناء واليسار والخصب والعمارة فهي اعمر، وهي مدينة مقدارها فرسخ ونصف في مثله، والغالب على بنائها الخشب والطين، وللري قرى كبار، كل واحدة أكبر من مدينة، وعدد منها: (قوهذ) و (السد)، و (مرجبي)، وغير ذلك من القرى، ثم قال: ومن رساتيقها المشهورة: قصران - الداخل والخارج -، وبهزان، والسن، وبشاويه، ودنباوند (1). قال جعفر بن محمد الرازي: " وكانت الري تدعى في الجاهلية أزاري، فيقال: إنه خسف بها، وهي على اثني عشر فرسخا من موضع الري اليوم على طريق الخوار بين المحمدية وهاشمية الري، وفيها ابنية قائمة تدل على أنها كانت مدينة عظيمة، وهناك أيضا خراب في رستاق من رساتيق الري يقال له: البهزان، بينه وبين الري ستة فراسخ، يقال: إن الري كانت هناك، والناس يمضون إلى هناك فيجدون قطع الذهب، وربما وجدوا لؤلؤا وفصوص ياقوت، وغير ذلك من هذا النوع " (2). وحكى ابن الفقيه عن بعض العلماء قال: " في التوراة مكتوب: الري باب من ابواب الارض، وإليها متجر الخلق ". وقال الاصمعي: " الري عروس الدنيا، وإليه متجر الناس، وهو أحد بلدان الارض ". وقال العمراني: " فأما الري المشهورة فإني رأيتها، وهي مدينة عجيبة الحسن مبنية بالآجر المنمق المحكم، الملمع بالزرقة، مدهون كما تدهن الغضائر في
---
(1)
معجم البلدان لياقوت الحموي: 3 / 117. (2) المصدر السابق.
---
[133]

(1/126)

فضاء من الارض، وإلى جانبها جبل مشرف عليها، أقرع لا ينبت فيه شئ، وكانت مدينة عظيمة خرب أكثرها (2). قال المقدسي: فأما الري فإنها كورة نزيهة، كثيرة المياه، جليلة القرى، حسنة الفواكه، واسعة الارض، خطيرة الرساتيق (2). وقال: ولرساتيقهم شأن (3). لما كانت بلاد الري كبيرة واسعة الاطراف، ولها شأن عظيم بالنسبة للخلفاء، ولانها بمثابة ملتقى طرق الحاج والمسافر من خراسان إلى العراق أو إلى الحجاز، مما كانت تشغل بال الولاة والامراء، ولهذا السبب سال لعاب عمر بن سعد بن أبي وقاص عندما وعده عبيدالله بن زياد أن يكون أميرا عليها فيما إذا خرج لحرب الحسين بن علي عليهما السلام، وكان عمر ابن سعد مترددا في الخروج، وقد أنشد أبياتا يقول فيها: فوالله ما أدري وأني لحائر * افكر في أمري على خطرين أأترك ملك الري والري منيتي * أم أرجع مأثوما بقتل حسين حسين ابن عمي والحوادث جمة * لعمري ولي في الري قرة عين ألا إنما الدنيا بخير معجل * فما عاقل باع الوجود بدين
---
(1)
انظر معجم البلدان: 3 / 117. (2) أحسن التقاسيم للمقدسي: ص 385، ط ليدن 1906 م. (3) المصدر السابق: ص 391.
---
[134]

(1/127)

وأن إله العرش يغفر زلتي * ولو كنت فيها أظلم الثقلين يقولون إن الله خالق جنة * ونار وتعذيب وغل يدين فإن صدقوا فيما يقولون أنني * أتوب إلى الرحمان من سنتين وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة * وملك عقيم دائم الحجلين فغلبه حب الدنيا والرئاسة وخرج إلى حرب ابن بنت رسول الله، غير مبال ما للحسين من منزلة عند الله وعند رسوله، وقد انتهى به المقام أن قدم رأس الحسين بين يدي عبيدالله بن زياد، غير أن اللعين لم يصب ملك الري شيئا، وقد استجيبت فيه دعوة الامام الشهيد أبي عبد الله عليه السلام، حيث قتله المختار وبعث برأسه إلى المدينة إلى الامام زين العابدين عليه السلام. لقد وردت أخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام بشؤم بلاد الري ولعنها: روي عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: " الري وقزوين وساوة ملعونات مشؤومات " (1). وقال إسحاق بن سليمان: " ما رأيت بلدا ارفع للخسيس من الري " (2). وفي الاخبار: الري ملعونة، وتربتها تربة ملعونة ديلمية، وهي على بحر
---
(1)
معجم البلدان: 3 / 118، البحار: 60 / 229. (2) انظر معجم البلدان: 3 / 118.
---
[135]

(1/128)

عجاج، تأبى أن تقبل الحق (1). وقال الحموي في قصة رجوع أحمد بن اسماعيل إلى الري بعد محاصرته لاحمد ابن هارون في بلاد الديلم، قال: " وآيس منه أحمد بن اسماعيل فرجع فنزل بظاهر الري ولم يدخلها، فخرج إليه اهلها وسألوه أن يتولى عليهم ويكاتب الخليفة في ذلك ويخطب ولاية الري، فامتنع وقال: لا اريدها لانها مشؤومة، قتل بسببها الحسين (2) بن علي عليهما السلام وتربتها ديلمية تأبى قبول الحق، وطالعها العقرب وارتحل عائدا إلى خراسان في ذي الحجة سنة 289 ه‍ (3). وفي " الخصال " بسنده عن الاعمش عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: (ستة عشر صنفا من أمة جدي لا يحبونا، ولا يحببونا إلى الناس (إلى ان قال:) وأهل مدينة تدعى (سجستان)، هم لنا أهل عداوة ونصب، وهم شر الخلق والخليقة، عليهم من العذاب ما على فرعون وهامان وقارون، وأهل مدينة تدعى (الري)، هم أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء أهل بيته، يرون حرب اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله جهادا، وما لهم مغنما، ولهم عذاب الخزي في احياة الدنيا والآخرة، ولهم عذاب مقيم... الخ " الخبر (4). التشيع في الري: يقول أبو دلف في الرسالة الثانية الصفحة 32: " في الري نهر باسم * (هامش) (1) انظر مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه: ص 251 ط دار احياء التراث العربي. (2) إشارة إلى خروج عمر بن سعد إلى حرب الحسين بسبب الوعود التي قطعها له عبيدالله بن زياد في تمليكه بلاد الري، أو توليته اياها. (3) معجم البلدن لياقوت الحموي: 3 / 122. (4) الخصال: ص 96، البحار: 60 / 206.
---
[136]

(1/129)

" سورين "، وأهل الري يقولون هذا النهر ماؤه مكروه، ويتشأمون منه، لان في هذا النهر غسل فيه السيف الذي قتل فيه يحيى بن زيد في سنة 125 ه‍. وما قاله صاحب " النقض " من أن الروافض استولوا على الري سنة 305 - 323 ه‍ في عهد المقتدر العباسي (1) لا ينافي وجود التشيع وموالي اهل البيت في البلد من قبل، بل أن استلام الشيعة السلطة في الري في بداية القرن الرابع الهجري لابد من مركزية لهم فيها، وأن تواجدهم لم يكن وليد الصدفة حتى تستقر بهم الامور، ويتصدون لادارة المنطقة سياسيا وعسكريا، فلابد من قاعدة ومؤيدين وأنصار ودعاة حتى تكون البلدة في قبضتهم. أما ياقوت الحموي فقد قال: " إن التشيع ظهر عند ما جاء أحمد بن الحسن المارداني إلى الري وتغلبه عليها سنة 275 ه‍ " (2). لكن أغلب الاخبار وكتب التاريخ تذكر أن أحمد بن الحسن المارداني استولى على الري في زمن الامام العسكري عليه السلام (3)، وبما أن وفاة الامام كانت حدود 260 ه‍، هذا يعني ان دخول أحمد بن الحسن الري فاتحا قبل 260 ه‍، وبمعنى آخر أن التاريخ الذي ذكره الحموي غير دقيق، والمرجح أن يكون قبل عام 250 ه‍، والدليل على ذلك أن الحسن بن زيد مؤسس الدولة العلوية بالديلم كان بالري، ثم شخص إلى الديلم بدعوة من أهلها، فاتفقت كلمة الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على بيعته فبايعوه كلهم، ثم بعد ذلك انضم إلى الحسن جبال طبرستان، كصمغان، وقادشان وأهل السفح، ثم استولى على آمد، ثم اخيرا ملك الري وجرجان، وهذه
---
(1)
النقض: ص 54. (2) معجم البلدان: 2 / 901. (3) جنة النعيم: ص 397.
---
[137]

(1/130)

الاحداث كانت في النصف الاول من القرن الثالث الهجري (1). وهذا يعني أن التشيع كان قبل القرن الثالث الهجري، وسوف نذكر - ان شاء الله عن قريب - جملة من السادات العلويين، وبعض الاعيان والعلماء، وأصحاب الائمة عليهم السلام الذين قطنوا بلاد الري. بل لا نبالغ إذا قلنا: إن التشيع بدأ منذ القرن الاول الهجري، منذ أن احتلها المسلمون في زمن عمر بن الخطاب على يد وإليه على الكوفة عمار بن ياسر، الذي جهز جيشا بقيادة عروة بن زيد الطائي، كما تقدم. نزوح الاشراف من السادات إلى الري: يمكن ان نقسم الذين نزوحوا إلى الري من السادات العلويين إلى ثلاثة مجاميع: المجموعة الاولى: وهم الذين اشتركوا مع العلويين في حربهم ضد خلفاء بني العباس، وعلى رأسهم المنصور الدوانيقي، ففي زمانه خرج عليه محمد بن عبد الله ابن الحسن بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، خرج بالمدينة سنة 145 ه‍، وكان قد بويع له في كثير من الامصار، إذ أرسل أحد أبنائه إلى خراسان وهو عبد الله، وكان يدعوا الناس إلى إمارة أبيه، ثم هرب من خراسان لما كان الطلب وراءه، وقتل في السند، وبعث أخاه يحيى إلى بلاد الري، ثم إلى طبرستان والتف حوله جمع كثير، وأرسل ابنه الحسن إلى اليمن، فقبض عليه الوالي وأودعه السجن حتى مات فيه، وسار ابنه علي إلى مصر يدعو له، فقتل فيها، ثم من إخوته موسى توجه إلى
---
(1)
الكامل لابن الاثير: 7 / 40 حوادث 250 وحوادث عام 251، وعام 252، وعام 255، 257 ه‍.
---
[138]

(1/131)

الجزيرة، وإدريس بن عبد الله قصد المغرب يدعو أهلها لاخيه، وقد بعث إليه المنصور من يغتاله بالسم، فقام من بعده ابنه إدريس بن عبد الله، وتوجه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة فأجابه الناس، ثم توجه من بعدها إلى فارس الاهواز. وفي زمن المأمون خرج عدة من العلويين عليه، وأعلنوها حربا لا هوادة فيها، منهم: محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن ابراهيم بن الحسن المثنى، والملقب بابن طباطبا، وخرج في المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى، وفي البصرة خرج علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي زين العابدين عليهم السلام، وخرج معه زيد ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي، وظهر في اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن عليهم السلام، وخرج في مكة والحجاز محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، وخرج في المدينة الحسين بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين عليهم السلام، المعروف بابن الافطس. وفي زمن المعتصم خرج عليه محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين عليهم السلام، وكان بالكوفة ثم هرب إلى خراسان وبعدها إلى مرو وسرخس وطالقان وغيرها، وقد تبعه خلق كثير. وفي زمن المتوكل كان آل علي وفاطمة عليهما السلام في محنة شديدة، وخوف، واضطهاد، وقتل، حتى أنه أمر المتوكل في 236 ه‍ أن يهدم قبر الامام الحسين عليه السلام، ومنع الشيعة من زيارة القبر أو حضور المشاهد المشرفة، وفي نفس السنة أمر المتوكل " الذيريج " بالسير إلى قبر الامام الحسين عليه السلام وهدمه، ومحو أرضه، وإزالة أثره، وأن يعاقب من وجد به، فبذل الرغائب لمن يتقدم على هذا القبر، فكل خشي العقوبة وأحجم فتناول " الذيريج " مسحاة وهدم أعالي قبر الامام الحسين عليه السلام، فحينئذ أقدم الفعلة فيه، وأنهم انتهوا إلى الحفرة وموضع اللحد فلم يروا فيه أثر رمة
---
[139]

(1/132)

ولا غيرها، ولم تزل الامور على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر، فأمن الناس وتقدم بالكف عن آل أبي طالب (1). ثم في زمن المقتدر العباسي خرج الحسن بن علي العلوي، المعروف بالاطروش، وكان خروجه سنة 301 ه‍ في بلاد طبرستان والديلم، كانت الديلم أنذاك على دين المجوسية وهم كفار، وكذلك الجبل، فدعاهم السيد الاطروش إلى الاسلام بعد ما مكث بينهم سنين فاستجابوا له وأسلموا، وحسن إسلامهم، وبنى لهم المساجد. ثم ظهر في الديلم والجبل من بعد الاطروش السيد أبو محمد الحسن ابن القاسم الحسيني، المعروف بالداعي، وقد استولى على طبرستان، ولما اتجه إلى الجبل والديلم حوصر هناك من قبل جيش إسماعيل بن محمد بقيادة محمد بن هارون، ولما قرب النصر من الداعي العلوي عمل محمد بن هارون حيلة، إذ تراجع إلى الوراء وترك مخلفات وغنائم كي يأخذها جيش الداعي، مما انقض هؤلاء على تلك الغنائم وتركوا محمد الداعي وحده، مما عاد محمد بن هارون الكرة وحاصروا الداعي العلوي واثخنوه بالجراح وأسروا ولده زيد، ثم مات الداعي بعد أيام من جراحات كانت فيه، ودفن بباب جرجان، وقبره هناك معروف. أقول: هذه المصائب التي جرت على العلويين، وملاحقتهم من قبل حكام العباسيين، حتى رصدوهم ووضعوا عليهم العيون والجواسيس، بل وضعوا الجوائز والهدايا لمن يأتي بخبرهم أو ينقل إليهم رؤوسهم أحياء أو أمواتا، مما زرع الخوف في قلوب أبنائهم ومحبيهم، حتى تفرقوا في البلدان والجبال، وسكن بعضهم القرى والمزارع والبلاد النائية عن مركز السلطة العباسية، ومن جملة الاماكن التي سكنوها
---
(1)
مروج الذهب: 4 / 51.
---
[140]

(1/133)

مناطق عديدة من قرى الري وأطرافها، مثل: قصران الداخل التابعة إلى بلاد الري أنذاك، كما أن قبور البعض منهم لا زالت معروفة بين الناس حتى اليوم، ولها مزار، ويؤمها الناس في كل وقت. المجموعة الثانية: بعد الفتح الاسلامي لبلاد الري، وتمركز الخلافة بيد العباسيين، واتساع الرقعة الاسلامية، اختار المأمون العباسي خراسان مركزا لحكومته، ولما أراد تثبيت قوائم هذه الحكومة اتجه الى العلويين لارضائهم واستمالة قلوبهم، حتى يستتب له الامر وتقوى شوكته، فما كان منه إلا أن يرسل على نقيب العلويين وزعيمهم الديني وهو الامام علي بن موسى الرضا عليهما السلام، فاستدعاه من المدينة الى خراسان، وعرض عليه الخلافة فأبى الامام عليه السلام، ثم عرض عليه ولاية العهد، فكذلك أبى، لعلم الامام عليه السلام بأن المأمون ما أراد من هذا العرض إلا الغدر به، وهو غير صادق فيما يظهره للامام، بل أنها الخدعة والمكيدة، غير أن المأمون أصر أشد الاصرار على قبول ولاية العهد، ثم هدده بالقتل إن لم يقبلها. كيفما كان، لما تمت ولاية العهد للامام الرضا عليه السلام، وهو كاره لها، حاول المأمون أن يستقطب مجموعة كبيرة من العلويين وكبار الشيعة وعلمائهم، كي ينظر في أمرهم، ويستخبر حالهم، ويكون منهم على قرب، فمتى ما يغدر بسيدهم وإمامهم فيكونوا هم في قبضته، وسرعان ما يقع بهم أشد وقيعة، والتنكيل بأسيادهم ومشايخهم. فالذين نزحوا من المدينة - من العلويين - الى خراسان وطبرستان والري وغيرها من البلدان الفارسية زمن ولاية العهد للامام الرضا عليه السلام فقط من نسل علي وفاطمة سلام الله عليهم - ومن أرحام الامام الرضا - كانوا واحدا وعشرين شخصا، وقد استوطنوا هذه المدن، ولهم فيها أولاد وأحفاد وذراري.
---
[141]

(1/134)

قال مصنف تاريخ طبرستان: "... سادات از آوازه ولايت، وعهدنامه مأمون كه بر حضرت إمامت پناهي داده بود روى بدين طرف نهاوند واو - امام رضا - را بيست ويك برادر ديگر بودند. اين مجموع برادران وبنو أعمام از سادات حسيني و حسني بولايت ري وعراق رسيدند... مأمون به امامت پناهي غدر كرد، وزهر به انگور تعبيه كرده بحضرت امام بحق داد... چون سادات خبر غدر مأمون كه با حضرت رضا كرد بشنيدند پناه بكوهستان ديلمستان وطبرستان بردند، وبعضي بدآنجا شهيد كشتند، ومزار ومرقد ايشان مشهور ومعروف است، وبعضي در همانجا توطن نمودند، وأولاد واتباع ايشان باقيست " (1). المجموعة الثالثة: وهم العلويون الذين هاجروا من أماكن عديدة، وبلدان مختلفة، كالعراق والحجاز واليمن ومصر والمغرب والشام الى طبرستان، وخراسان، والري، وما جاور هذه المدن من القرى والنواحي، وأغلب الاحيان كانت هجرتهم بسبب ملاحقة الخلفاء العباسيين لهم، فالامر لا يعدو كونه سياسيا محضا، ثم توالت الازمان حتى أصبحت تلك المدن مستقرا لهم، ومدار رزقهم فيها، فتكسب بعضهم بمزاولة العمل والتجارة، والآخر سعى وراء طلب العلم والتبليغ، والكثير من اولئك الذين قطنوا هذه البلدان الفارسية كانوا من الزيدية، بالخصوص قصران الداخل والخارج التابعين للري آنذاك، أما باقي القرى فكانت إما اثنا عشرية، وإما الاحناف. جاء في تاريخ طبرستان: "... خبر آوردند كه برادر سيد حسن بن زيد كه داعي الصغير حسني اوست بشلمبه دماوند رسيد، واصفهبد با دوسيان بدو
---
(1)
تاريخ طبرستان للمرعشي: ص 275.
---
[142]

(1/135)

پيوست، ومردم لارجان وقصران هم بدو پيوستند " (1). وفي كتاب " النقض " للرازي القزويني: "... ري ونواحى بسيارى از ري شيعي اصولي امامي باشند " (2). علما أن للري قرى ورساتيق عديدة جدا، منها: پشاويه (بشابويه)، وشهريار، وقصران الداخل، وقصران الخارج، وخوار (3)، ولكل منطقة من هذه عدة قرى وتوابع. أما بلاد الري فقد عرفت - مما تقدم - بعض السادة من العلويين قد سكنوها، ولهم فيها مآثر كبيرة، ومنزلة مرموقة، إذ كانوا الدعاة الى مذهب التشيع، ومروجي لاهل البيت عليهم السلام، وقد اشتهر من بينهم السيد عبد العظيم الحسني، وهو من اصحاب الامام الهادي عليه السلام، ومات في زمانه، وقد أدرج الشيخ الطوسي ذكره أيضا في أصحاب الامام الحسن العسكري عليه السلام (4)، وهو بعيد. وفي الري بيوت عديدة للعلويين، وهم أهل سيادة، وقامت لهم إمارة فيها، نذكر منهم: الحسن بن زيد العلوي، كان بالري، ثم شخص الى الديلم بطلب من أهلها، واجتمعت كلمتهم عليه فبايعوه وطردوا عاملها ابن أوس، ثم استفحل أمر الحسن حتى ملك الري سنة 250 ه‍. محمد بن زيد العلوي، ملك بعد وفاة أخيه الحسن، إلا أن أيامه كلها كانت
---
(1)
تاريخ طبرستان للمرعشي: ص 276. (2) النقض: ص 493. (3) قال الاصطخري في بيان ريف بلدة ري: " ومن رساتيقها المشهورة: قصران الداخل والخارج، وبهزان، والسن، وبشاويه ". المسالك: ص 123، صورة الارض: ص 322. (4) رجال الشيخ الطوسي: ص 433.
---
[143]

(1/136)

حروب وفتن، ومات من جراحاته عام 287 ه‍. الحسن بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين عليهما السلام، المعروف بالاطروش، وهذا ملك الديلم. الحسن بن القاسم العلوي، المعروف بالداعي، استولى على الري، ثم قزوين، ثم زنجان وأبهر وقم، وقتل عام 316 ه‍. ثم ملك الري آل بويه، وكانت لهم فيها إمارة كبيرة، وقويت شوكتهم بعد ذلك حتى استولوا على مركز الخلافة العباسية في بغداد. وللري أخبار سوف نأتي عليها في الفصل الثالث إن شاء الله. أما السادة العلويون في الري: زاهد حسين بن عبد الله الابيض بن العباس، أبو عبد الله، ت 319 ه‍. طاهر بن أبي طاهر محمد المبرقع بن محمد، المدفون بجوار عبد العظيم. السيد عبد العظيم بن عبد الله بن علي، أبو القاسم الحسني. في كتاب " منتقلة الطالبية " تأليف السيد أبي إسماعيل ابراهيم بن عبد الله بن الحسن " مخطوط " يذكر: " إن 65 نفرا من السادة الفاطمية والعلوية والطالبية هاجروا من بلادهم الى الري، ونزلوا فيها " (1). من أعيانها وعلمائها: أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الحكيم، ت 311 ه‍. محمد بن عمر بن هشام، أبو بكر الرازي الحافظ، ت 293 ه‍.
---
(1)
انظر ري باستان: 2 / 408.
---
[144]

(1/137)

عبد الرحمان بن إدريس، أبو محمد بن أبي حاتم الرازي، ت 327 ه‍. اسماعيل بن علي بن الحسين بن محمد بن زنجويه، أبو سعد الرازي السمان. أبو إسحاق ابراهيم بن احمد الخواص، ت 291 ه‍، يذكر له القزويني في " آثار البلاد وأخبار العباد ": ص 379 - 381 مناقب ومعاجز، فراجعها. يحيى بن معاذ الرازي، ت 258 ه‍ أيضا، يذكر له القزويني مناقب ومعاجز ص 381، فراجعها. من أصحاب الائمة عليهم السلام فيها: وفي الري من أصحاب الائمة عليهم السلام عدد كثير، ومنزلتهم لدى المعصومين مرموقة، فمثلا: أ - من أصحاب الامام الباقر عليه السلام الذين كانوا في الري: أعين الرازي، ويكنى أبا معاذ كما ذكره المامقاني في " التنقيح ". يحيى بن أبي العلاء الرازي البجلي، أبو جعفر. ب - من أصحاب الامام الصادق عليه السلام الذين كانوا فيها: عبد الرحيم بن سليمان الرازي الكوفي، المتوفى عام 187 ه‍ عطية بن نجيح الرازي. عيسى بن ماهان الرازي، أبو جعفر، توفي عام 161 ه‍ نعمان الرازي. هشام بن مثنى الرازي. عبد الله بن نجيح الرازي، أبو مطهر. جعفر بن يحيى بن علاء الرازي. ج - من أصحاب الامام الكاظم عليه السلام: بكر بن صالح الرازي.
---
[145]

(1/138)

الحسين بن الجهم بن بكير بن أعين الرازي. د - من أصحاب الامام الرضا عليه السلام: وليد بن أبان الضبي الرازي. ه‍ - من اصحاب الامام الجواد والهادي عليهما السلام: السيد عبد العظيم الحسني، ويبدو أنه من السادة الاوائل الذين نزحوا الى بلاد الري، كان نزوله في مكان اسمه " ساربانان " في سكة الموالي. من وجهائها من الشيعة: ومن وجهاء الشيعة الامامية آنذاك: منصور بن عباس الرازي، أبو الحسن، من أصحاب الجواد والهادي عليهما السلام. محمد بن حسان الرازي الزينبي، أبو عبد الله، من أصحاب الهادي عليه السلام. محمد بن خالد الرازي، أبو العباس، من أصحاب الهادي عليه السلام. يحيى بن أبي بكر الضرير الرازي، من أصحاب الهادي عليه السلام. عبد الله بن محمد الرازي، من أصحاب الجواد عليه السلام. عبد الله بن محمد بن حماد الرازي، من أصحاب الجواد عليه السلام. محمد بن أبي زيد الرازي، من أصحاب الجواد عليه السلام، وكان أصله من قم. أحمد بن إسحاق الرازي، من أصحاب الهادي عليه السلام. الحسن بن عباس بن حريش الرازي، أبو علي، يروي عن الجواد عليه السلام. أبو حماد الرازي، من أصحاب الامام الهادي عليه السلام، ويروي عنه سهل بن زياد الادمي الرازي، أبو سعيد، يروي عن الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام، وروى عن عبد العظيم الحسني، وهكذا: الحسن ابن زياد، وأحمد بن مهران رووا عن عبد العظيم في الري.
---
[146]

(1/139)

صالح بن سلمة بن أبي حماد، أبو الخير الرازي، من أصحاب الامام الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام. محمد بن أحمد الرازي، أبو عبد الله. محمد بن خلف الرازي، أبو بكر. { من أصحاب الامام العسكري عليه السلام محمد بن يزداد الرازي. ومن الشيعة الذين سكنوا الري: ابراهيم بن علان الكليني. ابراهيم بن علي بن محمد المقري الرازي، أبو منصور. ابراهيم بن عيسى الرازي. ابن كربويه الرازي، من أصحاب الحسين بن أحمد العلوي الكوكبي. أبو الطيب الرازي، من أجلاء متكلمي الشيعة الامامية. أحمد بن ابراهيم المعروف بعلان الكليني. أحمد بن الحسن الرازي، أبو علي، من مشايخ الاجازة. أحمد بن علي بن العباس الخضيب الايادي الرازي، وقد اتهم بالغلو. أسعد بن سعد بن محمد الحمامي الرازي. جعفر بن أحمد بن وندك الرازي. جعفر بن محمد بن حسن بن زياد الزعفراني الرازي، أبو يحيى، من علماء التفسير، وقد وصفه السيوطي أنه صدوق ثقة، وروى عن سهل بن عثمان العسكري وعلي بن محمد الطنافسي، ت 279 ه‍. جعفر بن محمد بن موسى بن جعفر الرازي، أبو محمد الدوريستي. الحسن بن أبي الحسن بن محمد الرازي الوراميني.
---
[147]

(1/140)

الحسن بن جعفر بن محمد الرازي الادريسي. الحسن بن الحسين بن بابويه، شمس الاسلام القمي الرازي. الحسن بن علي بن الحسين بن علوية الرازي الوراميني. الحسن بن علي الخياط الرازي. الحسن بن محمد بن الحسن، موفق الدين الخواجة الرازي. الحسين بن أبي الحسين هموسة الرازي الوراميني. الحسين بن علي بن محمد بن أحمد الخزاعي، أبو الفتوح الرازي. الحسين بن محمد الاشناني الرازي. ذو المناقب بن طاهر بن أبي المناقب الحسيني الرازي. رشيد الدين بن عباس بن علي الرازي الوراميني. الشامي الرازي، من وكلاء الامام القائم عليه السلام بالري، كما في " ربيعة الشيعة ". عبد الجبار بن عبد الوهاب الرازي، صاحب بستان أوقفها لدفن أموات الشيعة فيها. عبد الله بن محمد بن علي بن عباس بن هارون التميمي الرازي. علي بن ابراهيم بن أبان، علان الكليني الرازي، أبو الحسن. علي بن محمد بن ابراهيم بن أبان. علي بن ابراهيم الوراق الرازي، من تلامذة سعد بن عبد الله. علي بن أحمد بن علي الخزاز الرازي، من متكلمي الشيعة بالري. علي بن محمد بن علي. علي بن الحسين الرازي، أبو الفرج، من كتاب عضد الدولة. علي بن عباس الجراذيني الرازي، من متكلمي الشيعة، ويعد من الغلاة.
---
[148]

(1/141)

محمد بن ابراهيم، علان الكليني الرازي، من علماء قرن 3 ه‍. محمد بن بدران بن عثمان الرازي، أبو جعفر، من علماء الري، ثم سكن الكوفة محمد بن جعفر، أبو الحسين الاسدي الرازي، صدر التوقيع من الامام القائم عليه السلام بحقه: " انه من ثقاتنا " عام 290 ه‍، وتوفي سنة 312 ه‍. محمد بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين بن سنسن الرازي، أبو طاهر، توفي سنة 301 ه‍. علي بن حمزة الكسائي، أبو الحسن، ت 189 ه‍، مؤدب الرشيد والامين والمأمون. محمد بن الحميد بن قبة الرازي. محمد بن عبد الرحمان بن قبة. يعقوب بن اسحاق الكليني، ممن أدرك الامام العسكري عليه السلام. المذاهب المتواجدة في الري: قال الحموي: " وكان أهل الري أهل سنة وجماعة، الى أن تغلب أحمد بن الحسن المارداني عليها فأظهر التشيع، وأكرم أهلها وقربهم، فتقرب إليه الناس بتصنيف الكتب في ذلك، فصنف له عبد الرحمان بن أبي حاتم كتابا في فضائل أهل البيت عليهم السلام وغيره، وكان ذلك في أيام المعتمد، وتغلبه عليها في سنة 275 ه‍ " (1). وقال المقدسي: " ومذاهبهم مختلفة ; أما بالري فالغلبة للحنفيين، وهم نجارية إلا رساتيق القصبة، فإنهم زعفرانية يقفون في خلق القرآن، وسمعت بعض دعاة
---
(1)
معجم البلدان: 3 / 121.
---
[149]

(1/142)

الصاحب يقول: قد لان لي أهل السواد في كل شئ إلا في خلق القرآن، ورأيت أبا عبد الله بن الزعفراني قد عدل عن مذهب آبائه الى مذهب النجار، وتبرأ منه أهل الرساتيق، وبالري حنابلة كثير لهم جلبة، والعوام قد تابعوا الفقهاء في خلق القرآن، وأهل قم شيعة غالية، قد تركوا الجماعات وعطلوا الجامع، الى أن ألزمهم ركن الدولة عمارته ولزومه... الخ " (1). وقال أيضا: " يقع بالري عصبيات في خلق القرآن، وبقزوين أيضا بين الفريقين " (2). أقول: لا يخفى أن تلك العصبيات في الري - وفي غيرها من المدن والامصار - إنما كانت واتسع نطاقها بسبب حكام بني امية وبني العباس، قال الشهرستاني: " اعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام، ومخالفة السنة التي عهدوها من الائمة الراشدين، ونصرهم جماعة من امراء بني امية على قولهم بالقدر، وجماعة من خلفاء بني العباس على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن... الخ " (3). الفتن وخراب الري: قال المقدسي الذي ألف كتاب " أحسن التقاسيم " في سنة 375 ه‍: " يقع بالري عصبيات في خلق القرآن، وبقزوين أيضا بين الفريقين " (4). وقال ابن الاثير في " الكامل " في حوادث سنة 582 ه‍: " كان بمدينة الري
---
(1)
الملل والنحل: 1 / 95، أحسن التقاسيم: ص 395. (2) أحسن التقاسيم: ص 396. (3) الملل والنحل: 1 / 95. (4) أحسن التقاسيم: ص 396.
---
[150]

(1/143)

أيضا فتنة عظيمة بين السنة والشيعة، وتفرق أهلها وقتل منهم، وخربت المدينة وغيرها من البلاد... " (1). وقال الحموي في " معجم البلدان ": " في سنة 617 ه‍ وصل التتر إلى الري "، ثم يقول حدثت فتنة وقتال بين الشيعة والسنة، وكان الانتصار لاهل السنة، وهكذا حدثت حرب بين الاحناف والشوافع، وكان النصر للشافعية " (2). ولا يخفى أن هذه الفتن والقتال الذي حدث بين الشيعة والسنة إنما له جذور تمتد الى القرن الثاني والثالث الهجري، كما أن عدة عوامل اجتمعت على خراب الري، أهمها - كما عرفت -: الفتن والحروب الدامية بين المذاهب المتعددة المتواجدة في الري، والنفاق الذي صحب ذلك، والتملق إلى الامراء والولاة، والثأر للعصبيات التي كان يحملها قطاع كبير من مهاجري العرب الذين هاجروا الى هذه المنطقة، إضافة الى العصبيات المذهبية التي تأصلت في النفوس. فمثلا النزاع بين الشيعة والسنة، مرة يأخذ طابع الجدل والمناظرة، ومرة اخرى يتخذ السيف وسيلة للدفاع، ففي أذربيجان كان الشيعة أصحاب المناظرة واللسان، وأن دفاعهم ينحى الى السلم، بينما الشافعية أهل القلم والسيف يجنحون الى الاعتداء والقتل، وفي مازندران على العكس من ذلك، إذ أن الشيعة هم أهل السطوة والغلبة على الشوافع " (3). وأغلب هذه الفتن والعصبيات انما ظهرت من جراء الخلاف العقائدي بين
---
(1)
الكامل لابن الاثير: 9 / 174. (2) معجم البلدان: 2 / 893. (3) النقص: ص 494.
---
[151]

(1/144)

المذاهب، ومن أبرز المسائل العقائدية التي كانت تثار هي مسألة صفات الله، والرؤية، وخلق أفعاله، وخلق القرآن أو قدمه - وهي أهم مسألة راح ضحيتها آلاف من الناس والعلماء - وعدل الله، وحدوث العالم، والمعرفة بالسمع أو بغيره، والحسن والقبح العقليين، وعصمة الانبياء، ومسألة الامامة، والحب والبغض لاهل البيت عليهم السلام، والجبر والاختيار، ووجوب اللطف والاصلح على الله سبحانه، والجنة والنار وآراء الفرق فيهما، والشفاعة بنظر المذاهب، والاحباط واختلاف المذاهب فيه، وحقيقة الايمان والكفر، ومرتكب الكبيرة عند المذاهب، وإمامة المفضول مع وجود الافضل... الخ. هذه جملة من المسائل المهمة التي شغلت علماء المذاهب في أغلب الامصار والبلدان، وبالخصوص بلاد الري، والتي أدت الى صراعات عنيفة أعقبتها فتن ثم حروب دامية، كانت حصيلتها أن أبيد أهلها، وآلت البلدة الى الخراب والدمار. وأول من ذكى هذا الخلاف بين المذاهب والفرق الاسلامية هم حكام الدولة العباسية، وبالخصوص المأمون (198 - 218 ه‍) الذي اتخذ من الاعتزال المذهب الرسمي للدولة (1)، ثم تمسك بمسألة خلق القرآن، وهكذا من بعده المعتصم بالله العباسي، حتى أنه قتل جملة من العلماء، وأعدادا كثيرة من الناس في هذه المسألة. وأكثر تعصبا من حكام العباسيين هو الواثق العباسي، الذي قتل بيده أحمد بن نصر الخزاعي لامتناعه عن القول بخلق القرآن. وفي سنة 231 ه‍ أمر الواثق بامتحان العلماء بخلق القرآن، وامتحان الاسرى
---
(1)
بحوث في التاريخ العباسي لفاروق عمر: ص 73.
---
[152]

(1/145)

الذين خاضوا الحرب مع الروم في وقعة طرسوس، وكان عددهم (4600) أسير، و (600) من النساء، و (10) من الاولاد الصغار، وفي زمنه - الواثق - سجن نعيم بن حماد بهذه المسألة الى أن مات في السجن. ولم تهدأ فتنة " خلق القرآن " إلا في زمن المتوكل العباسي، حيث ألغى القول بهذه المسألة، وسيأتي الكلام عن هذه الفتن والاوضاع السياسية في الفصل القادم إن شاء الله. ومن جملة المسائل التي اختلفت آراء المسلمين فيها هي مسألة صفات الله سبحانه وتعالى، هل هي عين ذاته أم أنها زائدة على ذاته مخلوقة له. فمن أبرز المتكلمين في هذه المسألة من أهالي الري: ابن كلاب، والحسين بن محمد النجار، وإليه تنسب الفرقة النجارية، وأن أكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه، ويسمون بالمجبرة كذلك، لقولهم أن الاعمال مخلوقة لله. كيفما كان فإن الاشاعرة وأتباعهم يدعون أن صفات الله قديمة وزائدة على ذاته، فهو عالم بعلم زائد أو مغاير لذاته، ومريد بإرادة، وحي بحياة، أما الامامية وبعض من وافقهم من المعتزلة قالوا: إن الصفات إما أن تكون قديمة وهذا يلزم تعدد القديم، وهو أسوأ حالا من قول النصارى، وإما أن تكون صفاته حادثة، وهذا يلزم خلو الذات عن الصفات الثابتة له سبحانه، كالقدرة، والعلم، والحياة، والارادة، والسمع، والبصر... الخ، ووجه بطلان هذا القول واضح لا يخفى. فالنزاع وقع بين الاشاعرة والمحدثين من جهة، وبين الامامية والمعتزلة من جهة اخرى.
---
[153]

(1/146)

وبهذا يتضح رأي الامامية: أن صفاته عين ذاته، وليس وراءها شئ زائد يسمى حالا كما يدعيه الجبائي. على أي حال فهناك صراعات عديدة بين فرق المسلمين في هذه المسائل العقائدية، وسنبين في الخريطة الاتية مناطق سكنى المذاهب والفرق الرئيسية في بلاد الري - قديما - وإن كانت هذه الخريطة تحكي عن الحالة المذهبية في حدود القرن الرابع والخامس الهجري، على ان هذا التقسيم كان له جذوره منذ القرن الثاني والثالث، ثم باتساع المدينة أضيفت إليها مناطق من جهة الشرق والغرب، ثم الجنوب الغربي كما يتضح في الخارطة، فراجع.
---
[154]
نقشه
---
[155]
نقشه
---
[156]
العوامل الطبيعية وخراب الري: اجتمعت عدة عوامل في خراب الري وضواحيها، وهلاك سكانها، وخراب بيوتها وعمارتها، ولم يقتصر خرابها في زمن معين، بل توالت عليها المصائب والمحن حتى أدى الى خرابها، ويمكن اجمال تلك العوامل بالنقاط التالية: 1 - في سنة 236 ه‍ أصاب البلدة زلزالا كبيرا، أدى بسببه الى قتل 45000 نسمة، وذلك في زمن المتوكل العباسي، وفي السنة التي منع فيها من زيارة مرقد الامام الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام (1). 2 - وفي سنة 241 ه‍ أصاب البلدة وباء شديد، بسبب هبوب رياح باردة عليها، قادمة من بلاد الترك عن طريق سرخس ومتجه الى نيشابور ثم الى الري وهمدان وانتهت بحلوان، وقد اصيب بهذا الوباء آلاف من الناس، ولاقوا حتفهم خلال أيام قلائل (2). 3 - وفي نفس السنة حدثت هزة أرضية مات فيها الكثير بحيث خرج عن حد الاحصاء، قال ابن الاثير في الكامل: " وفيها كانت في الري زلزلة شديدة هدمت المساكن، ومات تحتها خلق كثير لا يحصون، وبقيت تتردد فيها أربعين يوما " (3). 4 - وفي سنة 242 ه‍ أيضا حدثت هزة أرضية عنيفة وواسعة، شملت نواحي قومس والري وخراسان ونيشابور وطبرستان واصفهان، ولشدة الهزة الارضية انشقت الارض، واندكت الجبال، وتهدمت البيوت والصوامع، وبان البؤس والشقاء
---

(1/147)

(1) تبصرة العوام: ص 196. (2) تاريخ پيامبران وشاهان، ترجمة ملوك الارض والانبياء: ص 176. (3) الكامل لابن الاثير: 5 / 296.
---
[157]
على المدينة، ري وغيرها من المدن، وقد ذكر اليعقوبي في تاريخه هذه الزلزلة وأثرها، فقال: " وكانت الزلازل بقومس ونيشابور وما والاها سنة 242 ه‍ حتى مات بقومس خلق كثير، ونالتهم رجفة يوم الثلاثاء لاحدى عشر ليلة بقيت من شعبان، فمات فيها زهاء مائتي ألف، وخسف بعده مدن بخراسان، ونال أهل فارس في هذا الشهر شعاع ساطع من ناحية الفلروم، ووهج آخذ بأكظام الناس، فمات الناس والبهائم، واحترقت الاشجار، ونال أهل مصر زلزلة عمت حتى اضطربت سواري المسجد، وتهدمت البيوت والمساجد، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة (1). 5 - وفي سنة 249 ه‍ أصاب الري زلزال عنيف، خرب المدينة، ومات الكثير من أهالي البلد، وأما الباقي فتركها ملتجأ الى أطرافها القاحلة، وقد أشار ابن اثير الى هذا الزلزال، فقال: " وفيها - 249 - أصاب الري زلزال شديد، ورجفة شديدة، هدمت الدور، ومات خلق من أهلها، وهرب الباقون فنزلوا ظاهر المدينة " (2). 6 - وفي عام 281 ه‍ جفت المياه في الري وطبرستان، وغلت الاسعار، ونقصت الغلات، وكادت أن تقع مجاعة في الري (3). 7 - وفي عام 344 ه‍ اكتسح الري وباء شديد، ومات الكثير من الناس، بحيث تعذر إحصاءهم. قال ابن الاثير في الكامل: " في هذه السنة وقع بالري وباء كثير، مات فيه من الخلق مالايحصى، وكان فيمن مات أبو علي بن محتاج الذي كان صاحب جيوش
---
(1)
تاريخ اليعقوبي: 2 / 491. (2) تاريخ ابن الاثير: 5 / 314. (3) انظر تاريخ الطبري: حوادث عام 281 ه‍، وتاريخ ابن الاثير: 7 / 467.
---
[158]

(1/148)

خراسان، ومات معه ولده، وحمل أبو علي الى الصغانيان وعاد من كان معه من القواد الى خراسان (1). وهكذا توالت الزلازل والاوبئة والامراض الفتاكة على الري، وفي كل حادثة يموت خلق كثير، قال الاصطخري: " أكثر المدينة - الري - خراب، والعمارة في الربض " (2). وقال ابن حوقل النصيبي: " وأكثر المدينة خراب والعمارة في الربض " (3). وقال المقدسي: " وهو - الري - بلد كبير، نحو فرسخ في مثله، إلا أن أطرافه قد خربت " (4).
---
(1)
الكامل: 6 / 353. (2) المسالك والممالك: ص 122. (3) صورة الارض لابن حوقل: ص 321. (4) أحسن التقاسيم للمقدسي: ص 391.
---
[159]
نشأة الكليني العلمية الاولى اتضح من كل ما تقدم أن العوامل الطبيعية - من هزات أرضية، وزلازل، و أمراض، وأوبئة، كالطاعون وموت الفجأة، وعواصف وسيول،... - والعوامل السياسية، والفتن والعصبيات التي ظهرت وتفاقم أمرها في بلاد الري أثرت على المعالم الخارجية للمدينة، فقد خربت المدينة من جراء الفتن الدائرة بين المذاهب آنذاك، وكان خرابها لمرات عديدة، ثم تدخل الحكام، والسياسة العباسية لخلق تلك الصراعات، كان له الدور الكبير في طمس المعالم التأريخية والعلمية لكثير من العلماء ورجال الدين، وبالخصوص علماء الشيعة الامامية، بل قد ضاعت علينا أخبارهم، وانطمست آثارهم، فلم يبق عندنا سوى عناوين وأسماء بين كتب التراجم والرجال. والشيخ الكليني هو أ حد أولئك العلماء التي ضاعت أخباره، ولم تصل الينا عن نشأته وحياته العلمية في مراحلها الاولى إلا النزر القليل، بل وحتى والده يعقوب بن إسحاق الكليني الذي - حاليا - له مقبرة ومزار عام، فهو الاخر لم يحدثنا
---
[160]

(1/149)

التاريخ عن سيرته بالتفصيل. فالاجواء السياسية في أواخر القرن الثالث الهجري حتمت على كثير من رجال الامامية وعلمائهم أن يتخفوا عن الانظار، أو أن يبتعدوا عن الصراعات الدائرة والفتن الشاخصة، والتي كان من ورائها رجال الدولة العباسيين، بل أن المعنيين من جراء خلق تلك الصراعات هم الشيعة، وهذا ديدن الحكام العباسيين ومن قبلهم الامويين، والتاريخ يعيد نفسه، كما هو اليوم قد اجتمعت كلمة الشرق والغرب على إبادة الشيعة أينما وجدوا، وبأي أسلوب كان، وللبرهنة على ذلك لانحتاج الى مزيد من التفكير، بل أن سير الاحداث السياسية اليوم هو خير دليل. فالظروف السياسية في ذلك الوقت حددت من نشاط بعض الشيعة الامامية في بلاد الري، وليس من الغريب أن يتمسك القسط الاكبر منهم بالتقية درء للخطر، وتلافيا للاضرار الناجمة من الاشتباكات الكلامية، بل أن بعض تلك المناظرات الكلامية تؤدي إلى تكفير بعضهم البعض الاخر، بحيث يمتد الامر إلى عوام الناس فيحملوا السلاح على عواتقهم، وتجد إراقة الدماء أرخص شئ عندهم. هذه بعض الظروف التي كانت سائدة في عصر نشأة الكليني الاولى، لهذا فإن حياته العلمية الاولى لم تكن بارزة في الري، بل أن الغموض هو العنصر البارز في النصف الاول من حياة الشيخ قدس سره. نعم برزت شخصيته العلمية في الري في النصف الثاني من حياته، وقبل سفره الى العراق، ولما انتقل الشيخ الى بغداد، التف حوله علماء الطائفة، وقصده كبار الشيعة، وقصده لاجل علمه وزهده وتقواه القاصي والداني، وأكثر من ذلك أنه أصبح من الاعلام المشهورين في زمن الغيبة، بل ومن المقربين الى النواب الاربعة، ولما كانت له منزلة رفيعة عند اولئك النواب والوكلاء ذاع صيته، وتألق نجمه، وأخذ
---
[161]

(1/150)

العلماء يختلفون إليه، وينهلوا من علمه، ويرووا عنه، الى أن شاع كتابه - الكافي - في بغداد بين الخاص والعام، وأصبح مرجعا للجميع. فالسبب في اشتهار الشيخ الكليني في بغداد أكثر من اشتهاره في بلاد الري هو الاستقرار النسبي الذي كانت تتمتع به بغداد، وإن كان هناك نزاعات وخصومات قد يثيرها البلاط العباسي بين العلماء بين آونة واخرى إلا أنها لا تؤدي الى إراقة الدماء، بل أن عوام الناس في بغداد ليس لهم ذلك النفوذ الذي كان يتمتع به أهل الري في إثارة الفتن والاعتداء والقتل الذي يؤدي به الى خراب البلد، عدا الفتنة التي حدثت في الكرخ. أما المرحلة العلمية الثانية والتي تبدأ قبيل خروج الكليني من الري فقد اتسمت بالنشاط والفاعلية، وهذا قطعا لم يبرز إلا بعد اطلاع علماء الشيعة على منزلة الشيخ العلمية، ومثابرته على جمع أحاديث أهل البيت في موسوعته الجليلة " الكافي "، ولا يشك أحد في أن الفترة التي استغرقت في تأليف هذا الكتاب الشريف والتي ناهزت عشرين عاما قد جاب خلالها البلدان كالعراق ودمشق وبعلبك وتفليس، واتصل بالعلماء، حرصا على جمع آثار الائمة الاطهار عليهم السلام، فإن كثرة ملاقاته للمشايخ وجهابذة الشيعة قد اكسبته شهرة وعلوا. قال الوحيد البهبهاني في " نهاية الدراية ": " ألا ترى أن الكليني مع بذل جهده في مدة عشرين سنة، ومسافرته الى البلدان الاقطار، وحرصه في جمع آثار الائمة، وقرب عصره الى الاصول الاربعمائة والكتب المعول عليها، وكثرة ملاقاته و مصاحبته مع شيوخ الاجازات، والماهرين في معرفة الاحاديث، ونهاية شهرته في ترويج المذهب وتأسيسه... " (1).
---
(1)
نهاية الدراية للوحيد البهبهاني: ص 220.
---
[162]

(1/151)

وحقا كانت شهرته في ترويج المذهب، لهذا كان شيخ أصحابنا - الشيعة - في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس بالحديث وأثبتهم (1). إلا أن هذه الشهرة ما نالها الشيخ إلا بعد ما تهيأت الظروف الامنية الخاصة للشيخ، وعندما كان في مأمن من الفتن والاضطرابات التي ألمت بالمسلمين سنينا طويلة. أما قول مرتضى الزبيدي في تاج العروس: " وقد انتهت إليه رئاسة فقهاء الامامية في أيام المقتدر " (2)، إنما يصدق هذا القول عندما كان الشيخ الكليني في بغداد، وسكنها حتى وافاه الاجل فيها، أما متى جاء الى بغداد، ومتى رحل الى غيرها، وإلى أي مدينة سافر.. كل ذلك يبقى في طي الغموض. نعم يحدثنا الشيخ الطوسي في " الاستبصار " انه حدث بها - بغداد - سنة 327 ه‍ (3)، وهذا يدلل أنه هاجر الى بغداد في أواخر عصره حيث أن وفاته سنة 329 ه‍، فبين زمان تصديه للدرس والتحدث وبين وفاته سنتان، وإن كان نحن لا نقطع بأن الشيخ نزل بغداد في هذه الفترة القريبة، بل لاأقل أنه سكنها حدود عقد من الزمان إن لم يكن أكثر من ذلك. أما قول صاحب " كشف المحجة ": " وقد أدرك زمان السفراء، وجمع الحديث من مشروعه ومورده، وقد انفرد بتأليف كتاب " الكافي " في أيامهم... " (4)، فهذا لا يعني أنه ألف كتابه - الكافي - في بغداد، بل من المحتمل أنه ألفه في الري، وهذا يصدق عليه القول أنه أدرك زمان السفراء، كما يصدق عليه القول أنه انفرد بتأليف
---
(1)
رجال النجاشي: ص 377 ترجمة 1026. (2) تاج العروس لمرتضى الزبيدي: 9 / 322. (3) الاستبصار للشيخ الطوسي: 2 / 352. (4) كشف المحجة: ص 159.
---
[163]

(1/152)

كتاب " الكافي " في أيامهم. نعم، يحتمل أنه سافر الى بغداد أكثر من مرة، كما أنه سافر الى بقية البلدان، إلا أن سفراته تلك غير مفصلة في كتب التاريخ والسيرة أو التراجم. قال ابن الاثير في " جامع الاصول ": أبو جعفر، محمد بن يعقوب الرازي، الفقيه، الامام، على مذهب أهل البيت عليهم السلام، عالم في مذهبه، كبير، فاضدهم، مشهور. وعد في حرف النون من كتاب النبوة من المجددين لمذهب الامامية على رأس المائة الثالثة. نستفيد من هذا النص امورا عديدة، بحيث تجعلنا نجزم أن ولادة الشيخ كانت في زمن الامام العسكري عليه السلام، فان لم نقل أنها كانت قبل ولادة الامام الحجة المنتظر - أرواحنا له الفداء - فمما لا يقبل الشك أنها كانت بعد ولادة الامام المباركة بمدة يسيرة قد لا تتجاوز بضعة شهور. ابن الاثير هو أحد علماء السنة الكبار، ومن المشهورين والمبرزين في مجال التأليف والتصنيف، ولما يعرف لنا الكليني فلابد أن يكون قد اشتهر بين الاصحاب الى أن فاقت شهرته فعرفه المؤالف والمخالف، قال ابن الاثير ينعته بالصفات الآتية: 1 - أبو جعفر، محمد بن يعقوب الرازي الفقيه. 2 - الامام على مذهب أهل البيت عليهم السلام. 3 - عالم في مذهبه. 4 - كبير. 5 - فاضل عندهم. 6 - مشهور. 7 - من المجددين لمذهب الامامية على رأس المائة الثالثة.
---
[164]

(1/153)

فلو أردنا أن نتساءل عن الفقيه متى يكون فقيها ؟ والامام متى يكون إماما ؟ ومتى يكون عالما ؟ والعالم متى يكون كبيرا ؟ والعالم الكبير متى يكون فاضلا عند أبناء لحمته ؟ والعالم الكبير متى يكون مشهورا ؟ كل هذه الاسئلة تدفعنا أن نقول: إن الكليني ما اشتهر عند المذاهب الاسلامية الاخرى إلا بعد ما اشتهر عند الطائفة المحقة، وإن الشهرة التي وصل مداها الى العراق انما هي امتداد لشهرته في البلاد الايرانية، وبالخصوص بلاد الري، وإلا كيف يعرف الشيخ الكليني عند المخالف بأنه: الفقيه، والامام، والعالم، والكبير، والمشهور.. الخ قبل أن يعرف عند أبناء طائفته ؟ ! ثم إن هذه الالقاب والنعوت يتحتم في صحة ثبوتها للشيخ أن تمضي عليها السنون كي تصبح فيما بعد حقائق ثابتة لصاحبها، وهنا لا يمكن تقدير تلك السنين بأقل من عقد من الزمان - كحد أدنى - حتى يحتل المكانة والشهرة اللائقة بين أقرانه من علماء عصره. إذا على هذا التقدير فسوف يكون الشيخ الكليني قد اشتهر بين علماء الطائفة في حدود 290 ه‍. ومما يعضد ذلك أنه المجدد على رأس المائة الثالثة كما ذكره ابن الاثير وآخرون. فكيف يصبح مجددا ما لم تظهر له آراء في الفقه والاصول والتفسير والحديث والرجال وغير ذلك من العلوم والفنون التي كانت متداولة في عصره ؟ بل حتى ظهور تلك الآراء للمصنف هو غير كاف ما لم تأخذ صداها في العالم الاسلامي بأجمعه، أي عند المؤالف والمخالف، وبين جميع المذاهب والفرق الاسلامية. ولما لم يؤثر عن المترجم له انه كان في حالة نبوغ في مقتبل عمره، فهذا يعني أنه تدرج في حياته العلمية كسائر العلماء، وهذا التدرج العلمي الطبيعي - باستثناء
---
[165]

(1/154)

حالات النوابغ - انما يستغرق أربعة عقود من الزمان حتى يعد الفقيه فقيها، ومن ثم يحتل الصدارة بين علماء عصره بعد مضي بضع سنين. أما كونه مجددا على رأس المائة الثالثة فهذا مما لا يقبل الشك من أنه قد تجاوز مرحلة الكهولة، وعلى وجه التقريب انه قد ناهز الخمسين. وبعض من عاصر الكليني - في بغداد أو في غيرها - قد أهملوا ترجمته، كالخطيب البغدادي، والسمعاني، وياقوت، وابن الجوزي وأمثالهم. فالخطيب لفرط تعصبه لم يترجم له في " تاريخ بغداد " على انه انتقل إليها، وأقام بها الى آخر عمره، وأملى الحديث بها الى ان توفي ودفن بها، وقبره بها معروف. وليس غريبا، حيث أهمل الخطيب حتى الشيخ الطوسي ت 460 ه‍، وأبا العباس النجاشي وهما من معاصريه ومعايشيه، بل ويشتركان معه في كثير من المشايخ، بل ولعلهم كانوا يلتقون في كل حلقة من حلقات الحديث على مشايخ بغداد. ترجم للكليني عبد الغني بن سعيد الازدي المصري في كتاب " المؤتلف والمختلف ": روى عنه - عن الكليني - أبو عبد الله أحمد بن ابراهيم الصيمري. وترجم له ابن عساكر في تاريخه (16 / 127) قال هناك: " أبو جعفر الكليني الرازي، من شيوخ الرافضة، قدم دمشق، وحدث ببعلبك عن أبي الحسين، محمد بن علي الجعفري السمرقندي، ومحمد بن أحمد الخفاف النيسابوري، وعلي بن ابراهيم ابن هاشم. روى عنه أبو سعد الكوفي، والشيخ الشريف المرتضى، وأبو عبد الله أحمد ابن ابراهيم، وأبو القاسم علي ابن محمد بن عبدوس الكوفي، وعبد الله بن محمد بن ذكوان. وترجم له أبو السعادات، ابن الاثير الجزري في المجددين. جامع الاصول:
---
[166]

(1/155)

11 / 323. وترجم له أخوه عز الدين في الكامل: 8 / 364. وترجم له الذهبي في المشتبه: 2 / 553. وترجم له سير أعلام النبلاء: 15 / 280. وترجم له الصفدي في الوافي بالوفيات: 5 / 226. وترجم له ابن حجر في تبصير المنتبه: 2 / 737. وترجم له لسان الميزان: 5 / 433. مشايخ الكليني: ما خلفه الشيخ الكليني من تراث علمي لا يمكن تجاهله، ويكفيه فخرا أن كتابه " الكافي " أحد الكتب الاربعة، والتي هي من أهم المراجع عند فقهاء الشيعة طيلة أحد عشر قرنا، وما كتب من بعد تلك الاصول إنما هو تكرار لها، بصورة أو اخرى، وان كان نحن لا نريد أن نبخس الناس أشياءهم، ولكن حقيقة لابد أن تذكر، على أن لكل مصنف - بالفتح - له ميزاته وخصائصه التي لا تخلو من فائدة. فالكليني روى عمن لا يتناهى كثرة من علماء أهل البيت عليهم السلام ورجالهم ومحدثيهم، مثل علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه... (1). ونحن نورد أسماء مشايخه الذي تأكد لنا أنه روى عنهم، أو أخذ معالم دينه عنهم أو تتلمذ عليهم، وقد تركنا تفصيل ترجمتهم، لانه يطول بنا المقام، وربما نخرج عن إطار البحث، لهذا اختصرنا الحديث عنهم، عدا الذين كانوا تحت عنوان " عدة من أصحابنا "، فسيأتي الكلام مفصلا - إن شاء الله - عن موضوع " العدة "،
---
(1)
بحار الانوار: 108 / 75.
---
[167]
وأقسامها، ورواتها وتراجمهم في الفصل السابع، ونظرا لاهمية هذا الموضوع يأتي تفصيله هناك. 1 - أبو بكر الحبال (1)، ذكره السيد البروجردي في " تجريد أسانيد الكافي "، روى عن محمد بن عيسى القطان، الكافي: ج 2 ص 652، كتاب المعيشة، باب نادر، ح 3. 2 - أبو داود (2)، هو عنوان مشترك لعدة رواة، ذكره السيد البروجردي في
---

(1/156)

(1) تجريد أسانيد الكافي: 1 / 32. أقول: لم أعثر له على ترجمة في كتب الرجال. (2) المصدر السابق: 1 / 32. أقول: روى عنه الكليني، عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن، عن زرعة، عن سماعة قال: سألته، هل يشرب سؤر شئ من الدواب... الحديث 2 الكافي: ج 3 / 9. ونفس الاسناد 3 / 49 باب الرجل والمرأة يغتسلان من الجنابة ثم يخرج منهما شئ بعد الغسل، الحديث الرابع. وفي الحديث الثامن من نفس الباب من الكافي: 3 / 51، هكذا: أبو داود، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب والحائض... الخ الحديث. أقول: ورد بعنوان المطلق " أبو داود " في (18) موردا من الكافي، وبعنوان " أبو داود المسترق " في (12) موردا من الكافي، والمسترق هو: سليمان بن سفيان، ذكره الطوسي في " الفهرست ": ص 184، وذكره في " عين الغزال " ص 6 ضمن مشايخ الكليني، وهو بعيد جدا. وورد بعنوان " أبو داود النخعي " في مورد واحد من الكافي، وهو: سليمان بن هارون، ويحتمل: سلمان بن عمرو. وورد بعنوان " أبو داود " يوسف بن إبراهيم في مورد واحد من الكافي. ثم استظهر المجلسي الاول - قدس سره - على ما في " مرآة العقول " أن أبا داود هذا هو سليمان المسترق، وكان له كتاب يروي الكليني - قدس سره - عن كتابه، ويروي عنه بواسطة الصفار وغيره، ويروي بواسطتين أيضا عنه، ولما كان الكتاب معلوما عنه يقول: أبو داود روى...
---
[168]
التجريد لاسانيد الكافي. 3 - أحمد بن إدريس بن أحمد، أبو علي الاشعري (1) القمي، ت 306 ه‍،
---

(1/157)

فالخبر ليس بمرسل. أما المجلسي الثاني - قدس سره - قال: " كون أبي داود هو المسترق غير معلوم عندي، ولم يظهر لي من هو إلى الآن، ففيه جهالة ". ونحن بينا العناوين التي تكررت، سواء كانت مطلقة أو كانت مقيدة بالمسترق، انظر الكافي: ج 3 ص 9 و 19 و 21 و 26 و 35 و 37 و 44 و 49 و 51 و 97 و 99 و 265 و 304 و 314 378. ثم ذكر الدكتور حسين علي محفوظ في مقدمته للكافي أن سليمان بن سفيان، أبو داود أحد مشايخ الكليني، حيث ذكره في الرقم (17) نقلا عن " عين الغزال " ص 6. أقول: ما ذكره حسين علي محفوظ اشتباه كبير، بل من الغريب جدا أن من شأنه التحقيق أن يقع في هذا الخطأ، لان سليمان بن سفيان، أبو داود، هو المسترق، وليس هناك اسم آخر مشترك بهذا العنوان. قال عنه النجاشي: " مات سليمان - بن سفيان أبو داود المسترق - سنة إحدى وثلاثين ومائتين ". رجال النجاشي: ص 184. وفي رجال الكشي: " قال حمدويه: هو سليمان بن سفيان بن السمط المسترق، كوفي، يروي عنه الفضل بن شاذان (إلى أن قال:) وعاش تسعين سنة، ومات سنة ثلاثين ومائة ". رجال الكشي: 2 / 609. وهذا خطأ من النساخ، وإنما الصحيح سنة ثلاثين ومائتين. كيفما كان، فإن الرجل مع كونه من المعمرين، وإن وفاته على أصح الاقوال سنة 231 ه‍، فغير ممكن أن يعد من أشياخ الكليني. نعم، توجد له رواية لكن ينقل الشيخ عنه بواسطة، على أن العنوان المذكور في أثناء السند هو سليمان بن سفيان، ولم يفيد ب‍ " أبو داود " ولا ب‍ " المسترق "، ثم يوجد في مسلسلة أسانيد الكافي " أبو داود المسترق " في اثني عشر موضعا، وهذا لا يعني أنه من مشايخ المصنف، فتأمل. (1) أبو علي الاشعري، هو أحمد بن إدريس بن أحمد، فإذا ورد بهذا العنوان " أبو علي الاشعري " فلابد من التميز بين أحمد بن إدريس وغيره من الرواة، لانها كنية لعدة من الرواة، منهم: الحسين بن الحسن، والريان بن الصلت من اصحاب الرضا عليه السلام، ومحمد بن عيسى بن عبد

(1/158)

الله، وأحمد بن إسحاق بن عبد الله.
---
[169]
ثقة (1). انظر ترجمته في العدة الاولى، الفصل السابع. 4 - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وقع في طريق مشيخة من لا يحضره الفقيه (2). انظر ترجمته في العدة الثانية، الفصل السابع. 5 - أحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة، أبو عبد الله العاصمي الكوفي، ثقة (3). انظر ترجمته في العدة السادسة، الفصل السابع. 6 - أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمان بن زياد، أبو العباس الكوفي، ابن عقدة المتوفى سنة 333 ه‍، موثق كالصحيح (4).
---

(1/159)

(1) أحد المشايخ الذين يكثر - الكليني - عنهم الرواية، وغالبا يذكره الشيخ بكنيته " أبو علي الاشعري "، فقد ورد في الكافي تحت هذا العنوان في (643) موردا، وبعنوان احمد بن إدريس في (122) موردا، وبعنوان أحمد بن إدريس القمي في مورد واحد، فالمجموع يكون 766 موردا يروي عنه الشيخ الكليني في " الكافي ". وكذلك يروي عنه الشيخ بواسطة العدة التي تروي عن أحمد بن محمد بن عيسى. واحمد بن إدريس - في الكافي - يروي عن ستة عشر شيخا، هم: احمد بن إسحاق، أحمد ابن محمد بن عيسى، الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة، الحسين بن إسحاق، الحسين ابن الحسن، الحسين بن عبد الله السعدي، عبد الله بن محمد، عبد الله بن موسى، عمران بن موسى، عيسى بن أيوب، محمد بن أحمد، محمد بن حسان، محمد بن سالم، محمد بن عبد الجبار، محمد بن على بن محبوب، أبو محمد الهذلي. (2) روى عن جده أحمد بن محمد بن خالد أحاديث، وله منها في الكافي عشرة أحاديث، و كذا هو أحد رجال العدة الذين يروون عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي. (3) ورد في " الكافي " بعنوان " أحمد بن محمد العاصمي " في (15) موردا، وجاء بعنوان " أحمد بن محمد بن أحمد " في (4) موارد، وبعنوان " أحمد بن محمد بن أحمد الكوفي " في موردين، وبعنوان " أحمد بن محمد بن أحمد الكوفي العاصمي " في مورد واحد، والجميع متحد، وهو المقصود به: أبو عبد الله العاصمي الكوفي. (4) ورد في " الكافي " بعنوان " أحمد بن محمد بن سعيد " في موردين، والمقصود به: هو ابن عقدة، والذي يروي في أحد الموضعين عن جعفر بن محمد الحسيني، والموضع الثاني عن جعفر بن عبد الله العلوي. الكافي: 5 / 338 و 510 و 4.
---
[170]

(1/160)

7 - أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك. الاشعري القمي، أبو جعفر، ثقة. انظر ترجمته في العدة الاولى، الفصل السابع (1). 8 - أحمد بن محمد (2)، عنوان مشترك، فراجع العدة 14 من الفصل السابع. 9 - أحمد بن مهران (3)، حسن. 10 - إسحاق بن يعقوب، حسن كالصحيح. 11 - حبيب بن الحسن (4)، مجهول. 12 - الحسن بن خفيف، مجهول. ورد هذا العنوان في موضع واحد من الكافي، الاصول: ج 1 / 523 الحديث الرابع، وصورته هكذا: " الحسن بن خفيف، عن أبيه، قال: بعث - الامام المنتظر عليه السلام - بخدم الى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ومعهم خادمان، وكتب إلى أبي خفيف أن يخرج معهم، فخرج معهم، فلما وصلوا إلى الكوفة شرب أحد الخادمين مسكرا، فما خرجوا من الكوفة حتى ورد كتاب من العسكر برد الخادم الذي شرب المسكر، وعزل عن الخدمة ".
---
(1)
هو أحد المشايخ السبعة الذي أكثر الشيخ الكليني الرواية عنهم بواسطة " العدة "، فقد ورد بعنوان " أحمد بن محمد بن عيسى " في (1156) موردا، وفي مورد واحد ذكر فيه الاشعري نقدا للاسم المتقدم. (2) أحمد بن محمد، عنوان مشترك، ورد في " الكافي " بدون تقييد في (3764) موردا، فما كان يرويه أحمد بن محمد عن محمد بن الحسن فهو غير أحمد بن محمد العاصمي، وكذلك هو مغاير لاحمد بن محمد بن سعيد الكوفي - ابن عقدة -، وأيضا مغاير لاحمد بن محمد بن عيسى، فأحمد بن محمد روى عن محمد بن الحسين في عشرين موردا في الكافي. (3) روى عنه الكليني في (55) موردا في " الكافي " وبعض تلك الموارد يرويها أحمد بن مهران عن عبد العظيم الحسني. (4) روى عنه الكليني في ثلاثة مواضع من كتاب الحدود، ج 7 / 229 و 260.
---
[171]

(1/161)

نستظهر من الحديث أن خفيفا كان أحد وكلاء الامام عليه السلام، أما ابنه الحسن فلم يكن من الرواة المحدثين حتى نحسبه أحد مشايخ الكليني، وفي غالب الظن أنه روى القصة للمصنف وهو فيها شاهد عيان. ذكره فضل الله شمس الدين في كتابه " عين الغزال ": ص 5. 13 - الحسين بن محمد، مجهول. 14 - الحسين بن أحمد، مجهول. ورد له في " الكافي " ذكر في ستة مواضع، روى الشيخ عنه، وهو يروي عن أحمد بن هلال ج 1 / 342، وحديث آخر يرويه عن أبي كريب وأبي سعيد الاشج ج 1 / 465. ثم له ثلاث روايات في الروضة: ص 370 و 371 و 372. وقال السيد البروجردي في " تجريد أسانيد الكافي ": 1 / 130: " إن الحسين ابن أحمد الذي روى الحديثين بل الخمسة هو الحسين بن أحمد المالكي ". 115 - الحسين بن الحسن الحسيني الاسود، حسن. 116 - الحسين بن الحسن الهاشمي، الحسين العلوي، مهمل. روى عنه الكليني في أحد عشر موضعا بعنوان مطلق " الحسين بن الحسن "، ووصفه بالحسني في موضعين، وبالعلوي في موضع واحد، وبالهاشمي في ستة مواضع. ولا اتحاد في الجميع، بل الحسين بن الحسن الحسيني الاسود هو غير الحسين بن الحسن الهاشمي الحسني العلوي، فالاول حسن كما عبر عنه الشيخ المامقاني في فهرست رجاله، أما الثاني فقال عنه: مهمل. والملقب بالاسود هو الذي ذكره الشيخ الطوسي في رجاله فيمن لم يرو عنهم عليهم السلام، فقال: الحسين بن الحسن الحسيني الاسود، فاضل، يكنى أبا عبد الله
---
[172]

(1/162)

رازي. رجال الطوسي: ص 462. وما ذهب إليه السيد البروجردي قدس سره في " تجريد أسانيد الكافي ": 2 / 133 يبدو غير صحيح، حيث قال: "... والظاهر وحدة الكل، وأنه هو الذي ذكره الشيخ في (لم) فقال (الحسين بن الحسن الاسود، فاضل، يكنى أبا عبد الله الرازي، انتهى ". ثم قال " ولا يحضرني الان في أمره، ولا في نسبه شئ غير ذلك، نعم يستفاد من رواياته أنه كان الغالب عليه علم السير والاخبار وهذه.. ". 117 - الحسين بن علي العلوي، مجهول، ذكره في " عين الغزال ": ص 6. روى الشيخ الكليني عن الحسين بن علي في أربعة مواضع، وقيده بالعلوي في موضع واحد، وروى عنه بتكبير الاسم، أي بعنوان " الحسن ابن علي العلوي " في ثلاثة مواضع، وفي أربعة مواضع اخرى قال عنه: الحسن بن علي الهاشمي، على أن الجميع متحد، وعلى هذا فتكون مجموع الاحاديث التي رواها عنه الكليني اثنا عشر حديثا ثم لا يغرب عن البال أن توصيف العلويين بالهاشمي كان شائعا أيام العباسيين، كما أشار إلى ذلك السيد البروجردي في المقصد الاول من كتابه " تجريد أسانيد الكافي ": 1 / 134. والحسين (الحسن) بن علي العلوي الهاشمي، روى عن سهل بن جمهور عن عبد العظيم الحسني، وعن محمد بن موسى عن يعقوب بن يزيد، وعن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان. انظر اصول الكافي: 1 / 372 و 523، وفروع الكافي: 3 / 369، و 4 / 47 و 146 و 147. 18 - الحسين بن الفضل بن زيد (يزيد) اليماني، لا يبعد حسنه. روى عنه الكليني رواية واحدة في مولد الامام الصاحب عليه السلام، ويبدو أن الرجل ووالده: الفضل بن زيد اليماني كانا من وكلاء الناحية، فلا يبعد حسنهما، بل
---
[173]

(1/163)

وثاقتهما، قال الكليني: الحسن بن الفضل ابن زيد اليماني قال: كتب أبي بخطه كتابا فورد جوابه، ثم كتبت بخطي فورد جوابه، ثم كتب بخط رجل من فقهاء أصحابنا فلم يرد جوابه، فنظرنا فكانت العلة أن الرجل تحول قرمطيا. قال الحسن بن الفضل: فزرت العراق، ووردت طوس، وعزمت أن لا أخرج إلا عن بينة من أمري، ونجاح من حوائجي ولو احتجت أن اقيم بها حتى أتصدق، قال: وفي خلال ذلك يضيق صدري بالمقام وأخاف أن يفوتني الحج، قال: فجئت يوما إلى محمد بن أحمد أتقاضاه، فقال لي: صر إلى مسجد كذا وكذا وأنه يلقاك رجل، قال: فصرت إليه فدخل علي رجل، فلما نظر إلي ضحك وقال: لا تغتم، وأنك ستحج في هذه السنة وتنصرف إلى أهلك وولدك سالما، قال: فاطمأننت وسكن قلبي، وأقول ذا مصداق ذلك والحمد لله، قال: ثم وردت العسكر فخرجت إلي صرة فيها دنانير وثوب، فاغتممت وقلت في نفسي: جزائي عند القوم هذا، واستعملت الجهل فرددتها وكتبت رقعة، ولم يشر الذي قبضها مني علي بشئ، ولم يتكلم فيها بحرف، ثم ندمت بعد ذلك ندامة شديدة، وقلت في نفسي: كفرت بردي على مولاي، و كتبت رقعة اعتذر من فعلي، وأبوء بالاثم، واستغفر من ذلك، وأنفذتها وقمت اتمسح، فأنا في ذلك افكر في نفسي وأقول: إن ردت علي الدنانير لم أحلل صرارها، ولم أحدث فيها حتى أحملها إلى أبي فإنه أعلم مني، ليعمل فيها بما شاء.. الخ. الكافي: 1 / 520. 19 - الحسين بن محمد بن عامر بن عمران بن أبي عمر الاشعري القمي، أبو عبد الله، ثقة، انظر ترجمته في العدة الاولى، الفصل السابع. روى عنه الكليني في " الكافي " قريبا من ثمانمائة رواية، وأغلب الاسانيد جاء فيها اسمه بعنوان مطلق، وأحصيناها فكانت (700) موردا، وجاء بعنوان " الحسين
---
[174]

(1/164)